في هذا العدد

رحيل الرفيق أنس قسام
مجلس الشعب يناقش بياني الحكومة..
الشباب هو المستقبل..
استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية..
 خليوي وشوكولا..
25 عاماً على رحيل رياض الصالح الحسين
المثقف والسلطة..
زيارة رئيس بيلاروسيا
هل يتطور مهرجان دمشق أم يتراجع..؟
سميح شقير ممنوع من دخول الأردن..
بين المجاملة النفاق..
الشباب وبيت العائلة
المفكر الشفهي..
الضواحي السكنية هل شكلت حلاً..؟
الصفحة الأولى

شؤون عربية ودولية

محليات
اقتصاد

ثقافة وفنون

شرفات الكلام
مجتمع
الرأي
الصفحة الأخيرة
powered by FreeFind

 الافتتاحية

تحصين الوطن مهمة أولى

أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة، في الفترة الأخيرة، قرارين هامين لهما مدلولاتهما الخاصة.

قضى الأول بإحالة موضوع بناء جدار الفصل العنصري إلى محكمة العدل الدولية لتقدم حكمها في توصيف طبيعته العنصرية والتوسعية، وما يشكله من انتهاك فظ للقواعد والاتفاقات الدولية، وما يحمله من آثار ضارة، وما يسببه من معاناة لجماهير الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال، وما يرمي إليه من تبديد كل جهد ونسف أي أمل في إعادة إطلاق عملية جادة لسلام عادل وشامل.

أما القرار الثاني فقد قضى ببطلان جميع التدابير والإجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي أو ستتخذها في الجولان السوري المحتل والهادفة إلى تغيير طابعه العمراني والديمغرافي والقانوني، مؤكداً أن جميع هذه الإجراءات باطلة وملغاة، وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولاتفاقية جنيف، وأن على الدولة المحتلة أن تلغي فوراً قرارها القاضي بفرض الهوية الإسرائيلية على مواطني الجولان.

المدلول الأبرز لهذين القرارين، اللذين صدرا في فترة زمنية متقاربة، هو أن المجتمع الدولي قد بدأ، كما يبدو، يضيق ذرعاً بغطرسة إسرائيل وعدوانيتها واستهتارها بكل القيم والقوانين والقرارات الدولية، وهو مؤشر على بداية تحرك دولي نأمل أن لا يتوقف ويكتفي بما جرى، وإنما أن يتطور ويتسع ويتخذ تجليات أشد جرأة وحزماً.

ولكن الواضح أن هذين القرارين ليسا موجهين ضد دولة الاحتلال الإسرائيلية وحدها، وإنما أيضاً وتحديداً ضد سياسة الإدارات الأمريكية وبخاصة إدارة الرئيس بوش الراهنة التي لا تتورع عن تقديم كل أشكال التغطية والحماية الديبلوماسية والدعم اللامحدود والمتعدد الأشكال لهذه الدولة العدوانية الخارجة عن القانون الدولي، ولا عن وصف رئيس حكومتها مجرم الحرب شارون بأنه رجل سلام.

من حق المجتمع الدولي أن يضيق ذرعاً، ومن حقنا طبعاً أن ندين ونفضح وندعو لوضع حد لهذه السياسة الأمريكية المنحازة على نحو مكشوف للمعتدي الإسرائيلي والتي تصل حد التطابق معه والتي تعتمد المكاييل المزدوجة على نحو فيه استغباء لعقول البشر عجيب ولا يمكن وصفه بأقل من أنه شديد الوقاحة.

فالدولة التي تحتل أراضي الغير، وترفض تنفيذ القرارات الدولية، وترتكب المجازر بحق السكان المدنيين مستخدمة أحدث أدوات الفتك والتدمير الأمريكية، والتي تمتلك ترسانة نووية يعرفها الجميع ولايمكن لها أن تنكر وجودها، هي، بزعمهم، دولة مهددة في أمنها وتدافع عن نفسها. أما الفلسطينيون المطالِبون بتنفيذ القرارات الدولية، والمناضلون لاستعادة أرضهم وحقوقهم المغتصبة فهم إرهابيون وقتلة تجب مكافحتهم. وسورية المحتلة أجزاء من أرضها، والتي عانت من الإرهاب طويلاً وناضلت وتناضل ضده، والتي لا تكف عن الدعوة إلى سلام عادل وشامل يعتمد تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، هي، كما يزعمون، دولة داعمة للإرهاب بل إنها جزء من محور الشر وهي تملك أو يمكن أن تمتلك أسلحة دمار شامل.

وما سمي بقانون محاسبة سورية الذي أقره الكونغرس الأمريكي وصادق عليه الرئيس الأمريكي مؤخراً، والذي يعدّ تطاولاً على القانون الدولي، ومساً بالسيادة الوطنية السورية هو نموذج فاقع آخر لسياسة المكاييل المزدوجة وسياسة الاستعلاء والاستكبار والتفرد الأمريكية، والتي لا يحكمها أي منطق ولا يرى مقرروها أنهم ملزمون أو أنهم بحاجة إلى أدلة يقدمونها دعماً وتأكيداً لمزاعمهم، أو أنه يحق لأي كان أن يناقشهم في مدى صحة هذه المزاعم وفي إثبات افتقارها إلى أية أسس ترتكز إليها.

من الواضح أن هذا "القانون" يدخل هو الآخر في إطار حملة الضغوط والاستفزازات والابتزاز والتهديدات التي تشنها الإدارة الأمريكية منذ فترة طويلة ضد سورية مباشرة أو عن طريق وكيلها في تل أبيب. والهدف الحقيقي واضح لا يحتاج إلى تفسير وهو ثني سورية عن مواقفها المبدئية الوطنية والقومية.

وتجابه سورية، كما هو معروف، هذه الحملة بحكمة ومرونة دون أن تحيد عن مواقفها المبدئية. وعلى الرغم من الرفض العربي والدولي لهذه الضغوط الأمريكية غير المبررة ضد سورية، ورغم التعاطف الواسع الذي تلقاه مواقف سورية المبدئية هذه، إلا أننا نعود ونؤكد أن ما هو أكثر إلحاحاً هو الالتفات أكثر فأكثر إلى البيت الداخلي والسعي لتحصينه والاهتمام أكثر فأكثر بمصالح الجماهير المعاشية والإصغاء إلى شكاويها والسعي إلى حلها، ومواصلة عملية الدمقرطة والانفراج وتسريعها بإزالة كل المعوقات من طريقها وبناء دولة القانون والمؤسسات، وسدّ كل الثغرات التي يمكن أن تستغل للتصيّد في الماء العكر، ومن أجل أن تهيأ كل الظروف لاستنفار وتعبئة أوسع قوى شعبنا على اختلاف تلاوينها الوطنية وآرائها لتجعل من وطننا قلعة حصينة عصيّة على كل معتد أثيم.