|
المفكّر الشفهي
أذكر أنني قرأت هذا
المصطلح على صفحات مجلة (الطريق) اللبنانية، في مقالة للمفكر الكاتب كريم مروة
منذ سنوات. كانت المقالة عن شخص لم يكتب كتاباً أو بحثاً، ولم يدخل اسمه فهارس
المجلات والصحف، لكنه كما قال كاتب المقالة، كان مفكّراً.
وأذكر أنني أعجبت
بهذا المصطلح يومذاك، وأخذت أتمعن في مدلوله، وأقيس به بعض أصدقائي من ذوي
المعرفة الواسعة والثقافة المتنوعة، وأقف عند العديد من فِكَرِهم التي يطرحونها
في لقاءاتنا ومناقشاتنا، فإذا هي فكر عميقة تنطوي على الكثير من الجدة، وأتبصر
في أسلوب تفكيرهم، فإذا هو أسلوب علمي يقوم على النظرة الموضوعية الشاملة
والربط الجدلي، وإذا هم لهذا وذاك، يتصرفون في بحث الأمور شفهياً ـ وبتفاوت في
الخبرة وحدود المعرفة ـ كما يتصرف المفكر الكاتب، فيشكلون لدي الصورة المطابقة
لمصطلح (المفكر الشفهي)، وأدرك كم كان كريم مروة موضوعياً في إطلاقه.
وشيئاً فشيئاً،
وبعد كثير من المقاربات والمقايسات، أصبحت أكثر اقتناعاً بوجود المفكرين
الشفهيين وأهمية دورهم في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، ووصلت إلى
أنهم يشكلون الحلقة المتممة، المدققة للمفكرين الكتاب، بل، أكثر من هذا، وصلت
إلى أنهم يقومون بفعل مزدوج، يمهد أحد وجهيه لعمل المفكرين الكتاب، ويتممه وجهه
الآخر.
ومن هنا، فإن إدخال
هؤلاء في عالم المفكرين ليس خطأً أو مبالغة أو ممالأة، بل هو رؤية للأمر على
حقيقته، وإدراك لجوهر العلاقة بين الفكر والواقع، وبين المفكرين الكتاب
والحاضنة التي تحتضن أفكارهم وتناقشها وتغنيها وتهذبها .
يقوم عمل المفكر
الكاتب على ثقافته الواسعة، ومعرفته الدقيقة للموضوع الذي يبحث فيه، ويتكون هذا
العمل ـ حين يكون جاداً ـ من شقين:
أولهما: متابعة
الموضوع والإلمام بكل ما يتصل به قدر الإمكان، وتحليله في هدي مرتكز منهجي
متماسك، وتكوين آراء واستنتاجات.
وثانيهما: التعبير
عن هذا الفعل كتابة، وعرض الآراء والاستنتاجات بوصفها تتويجاً لسياق من الجمع
والتحليل والتركيب.
وإذا كان الشق
الأول من هذا العمل، حصيلةَ الثقافة الواسعة والخبرة المتراكمة والتدرب على
التحليل والتركيب والاستنتاج، فإن الشق الثاني منه، هو نتيجة امتلاك القدرة على
التعبير المكتوب، بإتقان لغة الكتابة، وتوفر الموهبة التي تتجلى بحسن الصوغ
وتناسق العرض ووضوح المعنى، وهذا كله ينمو بالتدرب والممارسة، ويحتاج إلى صبر
لا غنى عنه في تحقيق التراكم والقبض على عنان فن الكتابة.
وبتوسيع الدائرة،
نجد أن الكثير من الناس، قادرون على الدخول في عداد المفكرين، فيما يتصل بالشق
الأول. فالمثقف المتابع إذا اهتم بموضوع معين، وركز قراءاته حوله لمدة من
الزمن، وخاض حوارات مع مهتمين آخرين تتناول الجوانب المختلفة لهذا الموضوع،
يستطيع أن يصل إلى درجة عالية من الإلمام والقدرة على تكوين الآراء والوصول إلى
الاستنتاجات التي لا تقل صحة وعمقاً عما يصل إليه المفكرون الكتاب.
ومن بين هؤلاء
المفكرين الشفهيين الكثر، ينبثق المفكرون الكتاب. فكل مفكر كاتب هو مفكر شفهي
أولاً، يمارس عمل المفكر الشفهي أولاً قبل أن يصوغ ويكتب، وما يميزه هو قدرته
على التعبير المكتوب، تلك القدرة التي تحدثنا عنها وقلنا إنها تقوم على الموهبة
والتدرب.
والمفكّرون
الشفهيون في مجتمعنا، على كثرتهم، ما يزالون نخبة من المثقفين أو السياسيين
المثقفين، أما المفكرون الكتاب فهم نخبة هذه النخبة. وتعود قلتهم في مجتمعنا
وغيره إلى سببين رئيسين:
الأول، هو أن
التعبير المكتوب يستند إلى شيء من الموهبة وكثير من المواظبة والصبر. لتكوين
الخبرة ومراكمة درجاتها، للوصول إلى القدرة على ترتيب المعلومات والتعبير
الدقيق عن الرأي وتكثيف النتائج وتحديد ما هو أكثر أهمية وعمومية.
والثاني، هو أن
المجتمع كلما ارتقى وازدادت فيه نسبة المثقفين الشفهيين وارتفع مستواهم، غدا
المطلوب من المفكرين الكتاب أعلى مستوىً وأكثر صعوبة فهم الموكلون، على الدوام،
باستقراء التغيرات والوصول إلى استنتاجات عميقة وجديدة، تجعل منهم نخبة بمعنى
التميز والقدرة الإبداعية لا بمعنى التعالي والانعزال.
وهذا ما يدفع
بالكثير من المفكرين الشفهيين، إلى الاكتفاء بدورهم، الذي هو دور الحاضن للفكر
والمحرّض على البحث ورفع مستوى التفاعل مع ما يقدمه المفكرون الكتاب وتهذيبه
وإغنائه بالحوار والنقد.
وبمقدار ما تتسع
دائرة المفكرين الشفهيين، تزداد فاعلية الحركة الفكرية، ويجد المفكرون الكتاب
قاعدة لنشاطهم، وتقوى الأواصر بينهم وبين الأوساط الشعبية، لأن المفكرين
الشفهيين هم الحلقة الوسيطة ذات الصلة بالناس لتقريبهم من دائرة التفكير والوعي
والثقافة، وهذا عامل حاسم في نهوض المجتمع وتقدمه.
النهضة الفكرية
ضرورية للنهوض السياسي والاجتماعي العام، والتفاعل بين الدائرتين الواسعة
والضيقة، هو عامل حاسم في النهضة الفكرية ذاتها. ومسؤولية المفكرين الشفهيين
كبيرة جداً، فهم يكوّنون المناخ الذي يمدّ الدائرة الأضيق بالموضوعات والفِكَر
والأشخاص أيضاً.
ولعل هذا يوصلنا
إلى فكرة، قد تكون أساسية، وهي أن من مهمات المؤسسات السياسية والإعلامية
والعلمية، السعيَ الدؤوب لتوسيع دائرة المفكرين الشفهيين، وتشجيع التفكير وفتح
أوسع الأبواب أمامه، والتخلي عن الحذر مما قد يصل إليه، فلن يصل في النهاية إلا
إلى ما ينفع، أما الزبد فلا يذهب جفاء إلا في مناخ حرية الفكر وإطلاق أجنحة
العقل.

|