الصفحة الأولى

شؤون عربية ودولية

محليات
اقتصاد

ثقافة وفنون

شرفات الكلام
مجتمع
الرأي
الصفحة الأخيرة
powered by FreeFind

 الرأي/ محمد الحوراني

المثقف والسلطة... وسجالات المفكرين العرب

من المؤسف حقاً أن تكون ثقافتنا السياسية والفكرية سجالية تعبوية، يتخندق كل واحد من المختلفين فيها في خندقه ويبدأ بإطلاق النار على مخالفه، ومن المؤسف أيضا أن تكون هذه الثقافة بعيدة كل البعد عن التحليل والتنقيب، مع العلم أن أصحابها الأوائل هم الذين أنشؤوا هذا العلم ورسخوه. إلا أنه مع مرور الزمن أصبح لا وجود له إلا في الأوراق وعلى الطاولات، فالعقل الثقافي بعيد كل البعد عن الحرية، كما أن مصطلحات التفكير والتخوين هي التي تحكمه، علما بأننا بأمس الحاجة إلى الحوار الداخلي بعيدا عن تلك المصطلحات كيما يتم التصالح مع الهوية والوطنية والانتماء الفكري، فهل سيعمل المثقف العربي على هذا؟. وهل سيعمل على بناء علاقة مستقبلية صحية بينه وبين السلطوي؟ في الحوارية المشتركة بينهما يحاول الدكتور خليل أحمد خليل والدكتور محمد علي الكبسي فك هذه الإشكالية بين المثقف والسلطة، والتأسيس لعلاقة مستقبلية أفضل من العلاقة القائمة والمندثرة. علاقة تجعل الثقافة العربية قادرة على الصمود في وجه الزحف الرهيب للعولمة القادرة على سحق هذه الثقافة، إن لم تتم المحافظة عليها بالطريقة المثلى. ويبدأ الدكتور خليل ورقته بالحديث عن المثقف العربي باعتباره وريث ماض، ولكنه ابن حاضر هو معاصر لماض مصنوع بواقعية، ولحاضر ممنوع أن يرى بالواقعية عينها. والمانع هو سلطاني وثقافي معاً. ولكن العقول كلها تصنع مستقبلها بخيالها أولا، ثم تتوسل له الوسائل فتحول المعرفة إلى قوة، والثقافة إلى مدينة تارة، وحضارة تارة، ويزداد في أيامنا هذه التواطؤ بين السلطة والتكرار: فيما المثقف العربي يبدع نفسه، والمثقف الإسلامي يؤصل رؤيته للعالم،يسرع السياسي إلى تكرار نفسه. فالواحد الذي يكرر نفسه هو غير الواحد الذي يبدعها أو يؤصلها تمهيداً للتواصل مع سواه. وبعد أن يتحدث الكاتب عن ثقافة الأزمة التي نقف وجهاً لوجه أمامها، يرى أننا نحن الذين نؤزم ثقافتنا، ونلوم مثقفينا، ونصفهم بأنهم من (أوهام النخبة)، متناسين أن ثقافتنا نفسها في أزمة، وأن تجاوز كل أزمة لا يكون من دون تشخيصها، بمعايير الثقافة، لا بمقاليد السياسة المستفيدة من الانغلاق، أو المتضررة من الانفتاح.

والواضح أن التشريح الذي اعتمده الدكتور خليل للثقافة بتفريعها إلى ثقافة القرآن وثقافة الإمارة وثقافة السلطان ومن ثم تقسيمها ثلاثياً إلى ثقافة القلق، ثقافة داخل السلطة، وثقافة مقاومة للموت، أزعج كثيراً محاوره الدكتور الكبسي، ولاسيما أنه عمل على إلغاء هذه النمذجة الثلاثية ليتبنى تقسيماً ثنائياً يتواصل على شكل سلسلة من الأحاجي تذكرنا بالمناظرات،فالثقافة على نوعين: ثقافة الصفوة،وثقافة العامة.

ويهمل الأولى ليقسم الثانية إلى ثقافة القراءة، وثقافة الأمية، ثم يهمل كعادته هذه الأخيرة ويقسم الأولى إلى ثقافة من يقرؤون والذين لا يقرؤون، والذين لا يمارسون القراءة والذين يحسنون الكتابة ولا يمارسونها، والذين لا يكتبون. وهكذا يتعب الدكتور خليل ذهن قارئه من غير ذنب، قبل أن يضني القارئ في نمذجة العولمة. وعندما يلتجئ الدكتور خليل إلى لعبة النمذجة فإنه يعتقد أنها السبيل الوحيد لفهم تصوره لثقافة الإبداع، إلا أن الكبسي لم يعثر على المثقف ولا على الثقافة فضلاً عن الإبداع.

وبعد أن يقارن الدكتور خليل بين العرب والمسلمين اليوم، وبين أجدادهم في الماضي والذين تمثلوا الإبداع حقيقة، يرى أن التسلح بديننا وبلغتنا هو ضمان للحفاظ على مأثوره الثقافي التاريخي. كما أنه سيزداد انفتاحاً واستيعاباً أو تمثلاً لثقافات العالم. كما يرى أن العولمة الثقافية العربية والإسلامية عندما تتحقق ستكون كفيلة بحمايتنا من غزو العولمة والصهينة معاً، وسيكون بإمكانها مواجهة المديونية الاقتصادية أو التقنية والمديونات العلمية والثقافية، ولكن كيف يتم هذا؟. هذا من غير الممكن أن يتم إطلاقاً إلا بالعودة إلى الجمهور الذي هو الضحية الكبرى لما حدث ويحدث، فهو متروك من ثقافة النخبة وأهل الاختصاص، ومتروك نسبياً من خطاب الإسلاميين،المشغولين بالسياسة أكثر من انشغالهم بإنتاج المعرفة الإسلامية العالمية؛ وأخيراً من الدولة القاصرة عن معالجة همومها ومشكلات بقائها، أمام غزو العولمة والصهينة معاً. وبالعودة إلى الجمهور العام، ثقافياً ودينياً وسياسياً، نحو معركة محو الأمية بكل معانيها، يتجدد الجمهور،ويقوم الإبداع والنقد مقام التقليد والتبعية والاستهلاك الاجتراري. فالعقل موجود دوماً، وعقل الجمهور يستجيب لمن يدعوه ويحاوره ويثقفه ذاتياً، ويقدم له مآدب ثقافية سليمة تفوق بجودتها ونكهتها بعض الوجبات الورقية الضارة في إعلامنا أو في كتبنا وشاشاتنا.

هذا العرض (الخليلي) المنطقي يزعج كثيراً محاوره الدكتور الكبسي،ويدفعه لإشهار أقوى أسلحته في معركته هذه مع الدكتور أحمد. فعجز المثقف عن تشخيص جنس المثقف الذي ينتمي إلى دائرته،وجنس السلطة التي يزعم أنها تكبله وتكبل إبداعه،يعني بؤس الفكر الذي يروج له؟ولا يرى الكبسي أن ما عرضه الدكتور خليل يحتاج إلى كبير جهد للبرهنة على أن بعض مثقفينا لا يرتقون إلى مصاف الرواد (رواد النهضة عندنا) الذين اعترفوا بما عند أوربا، إدراكاً منهم للحظة الراهنة التي عايشوها، ولم يدرك هؤلاء لحظتهم الراهنة.

أما الدكتور محمد علي الكبسي فإنه يرى أن مسألة المثقف والسلطة تقوم على طلب إعادة النظر دون الانزلاق إلى تقرير ما يجب أن يكونا عليه أو إعادة الإدانة المكررة حول تخندق كل منهما،وإنما بمعنى إعادة وضع السؤال وضعاً حسناً، وتصحيح دلالاته في خضم الحيرة والإرباك والقلق من المستقبل. والذي يراه الكبسي هو أن أحد مصادر الإشكال أننا لم نعد ندري في هذه الألفية هل مازال للمثقف والسلطة صفة أم أضحيا بلا صفة ؟هل ما زال نموذجها يستجيب لمتطلبات المستقبل؟

يرى الكبسي أن المثقف يجهل كيفية التعامل مع الألفية الثالثة التي فسخت صفته أو جعلته بلا صفة،كما سبق أن ألغت صفة الدولة عن الدول لما أبعدتها كلياً عن التدخل في المجال الاقتصادي. فالدولة التي كان منوطا بها إحداث شروط تراكم رأس المال ومركزته وتحافظ في الآن نفسه على التوازن الاجتماعي أصبحت شبحاً لاتأثير لها على تحديد أهداف السوق في ظل حرية التجارة الخارجية ما دامت حدودها مخترقة، وسيادتها لامعنى لها.

ولما كان المثقف العربي عاجزا عن كسر الاستقطاب الأمريكي والسوفيتي الموظف تحديداً للأمن الاستراتيجي لكل منهما، فإنه سيكون أعجز بكثير عن معالجة الأمر بعد صدمة العولمة في الألفية الجديدة،وهو الذي لم يحسن التعامل مع الاستقطاب في الألفية الفارطة ؟ ولا نقول إننا أمام أزمة مثقف أو أزمة سلطة، لأننا بكل بساطة لاندري من المثقف ولامن السلطة التي ستنام عليها هذه الألفية؟

ويذهب الدكتور الكبسي إلى أنه من الواجب علينا أن نشاهد انقلاب مسألة المثقف والسلطة في مرآة العولمة، وعلى المثقف والسلطة أن يكونا مدركين لفعاليتها، لأن المسألة لم تعد استقطابهما أو مجرد تبادل استقطاب بينهما،لأن كليهما انزاح من مواقعه،وأضحيا يعيشان كمراكز قوى مفككة، وإذا كانت السلطة والدولة قد تفسخت وتغير دورها وصفتها فلماذا ندين أو نجلد المثقف لتغيير صفته وهو نتاج محيطه؟

ومع أن المثقف هو نتاج محيطه وابن بيئته إلا أنه من الواجب عليه أن ينعتق من المحلية وينطلق إلى الكونية، ونظراً لأن المثقف المستقبلي لايواجه زلزال المفاهيم والقيم،والسلوك على صورة تنوع بل على صورة اختلاف فإن عليه ألا يتشرنق في محليته على ضوء فلسفة الاختلاف التي ترقى به ليكون مختلفاً حتى يغدو مسموعاً، فالألفية الثالثة ألفية معولمة تقف مقابلاً للتشاكل والانغلاق والتماثل، كما أن الكونية لا تعني نزع الروابط، بل تعني التوجه نحو قيم وأفكار تلبي تطلعات مواطنين مختلفين. ومع أننا جميعاً لا نرضى بأن يكون المثقف العربي منغلقاً على نفسه وغير عارف بما يدور حوله من أفكار في زمن العولمة، إلا أننا في الوقت عينه نرى أنه من الواجب عليه أن يتمسك بهويته وتراثه وينطلق منهما إلى رحاب العالمية والكونية،إذ إن ارتداد المثقف العربي إلى محليته والاكتفاء بها لن يؤدي إلا إلى إضعافه وفقدانه لإنسانيته أو إلغاء ذاته تماماً، لأنه يقصد بها تفريده لقطع جذوره مع هويته الثقافية من جهة، ثم الزج به في فضاء الكونية من جهة أخرى ليسهل طمسه مادام بلا جذور.