هل رأيتموه؟ لحيته الطويلة كواحد
من مشردي الشوارع في الأفلام الغربية! شعره الذي اسوَدَّ بصباغ أتى، ربما، من (ويللا)!
ذابل العينين كثمل تعتعه السكر! ذليل كفأر في مصيدة! هل هذا هو حقاً؟ هل هذا هو
الرجل الحليق ذو الشاربين الشبيهين بشاربي (الأخ الكبير) في رواية جورج أورويل.
والابتسامة المخادعة التي لا تفارق شفتيه. وسيجاره الفاخر الذي لا يغيب إلا في
حضور مسدسه. ويطلّ بين الفينة والأخرى ليؤكد أنه (حارس البوابة الشرقية) و(باني
العراق الحديث) و(جيش الأمة الصامد)؟ هل هذا هو حقاً الرجل الذي أفرغ رصاص
مسدسه في رأسين ناما على صدري بنتيه وأنجبا من رحميهما ذرية! هل هو الذي أجبر
عائلة كل من أُعدم برصاص مخابراته على دفع ثمن الرصاصة التي استقرت في جبين
المعدم؟ هل هو الذي أجبر شعباً بكامله على حمل الشموع بيدٍ في عيد ميلاده،
وباليد الأخرى وضع مدخراته من الذهب لأجل (القضية)؟ هل هو الذي ملأ (قصر
النهاية) و(أبو غريب) حتى ضاقا، فأمر بحفر الأقبية الرطبة التي ستطلى بدم
المعذَبين تحت كل شعبة حزب وفرع مخابرات؟
ثم ماذا! يتكوّر تحت غطاء في قبو
على عمق ستة أقدام تحت الأرض! وحيداً! شبه عارٍ! يمضه الجوع حتى لم يجد ما
يقوله عند اعتقاله سوى أنه يريد طعاماً! هل أمضى الـ 249 يوماً الماضية في هذا
القبو! أتراه كان يغمض عينيه متخيلاً الجدار المقشر الدهان مطلياً بماء الذهب
كما قصوره (السابقة)! أتراه كان يتبول في علبة صدئة كما كان يفعل المعتقلون
الذين لا يحصون في سجونه متوهماً أنه إنما يفعلها في مصرف من الكريستال النمسوي!
يكاد الأمر لا يصدق! يا رجل! لماذا
استسلمت بكل هذا الجبن والسهولة؟ لماذا سمحت لخساستك أن تلوث كل شاشات التلفزة
في العالم؟ لماذا برهنت، بكل هذه الصفاقة، على حقيقتك؟ بعد كل ما فعلته.. بعد
أن جعلت من نيرون مجرد أحمق لا يعرف كيف يستمتع بشعبه، وجعلته مسكيناً لم يسعفه
الحظ بإدراك الماركيز دو ساد وإمكانات البشر الخاصة على تحويل ألم الآخرين إلى
متعة فائقة.. ألم يكن في إمكانك أن تضع طلقتك الأخيرة في رأسك؟ ألم يسعفك
(حسّك) التاريخي لتعرف أن تلك الطلقة كانت ستخلدك أبداً؟ لماذا إذاً كنت تحمل
مسدسك؟ لعلك توقعت أن تلتقي بهارب آخر من جحيم حربك (المقدسة) فتصمه بالخيانة
وتفرغه فيه! أم لعلك كنت ستضعه في بطن امرأة رفضت أن تسلمك ابنها الهارب من
غشمك! ربما كنت تنتظر لقاءً مع الصهر الذي نجا من جنونك فتضمه إلى أقاربه!
هل تعتقد أنني ألومك وأعتب عليك!
أبداً. لكنني رغبت حقاً، أنا الذي كرهتك طوال عمري كرهي لكل ديكتاتور على وجه
الأرض، وتمنيت لك أبشع المصائر كما تمنيتها لكل طاغية. رغبت أن أرى فيك شيئاً
من تلك الكلمة التي دأبتَ على تكرارها سنين وسنين: (النشامة)! رغبت أن أرى يدك
تمتد إلى مسدسك مانعة أياً كان، حتى أنا، من أن يضعك في زنزانة صدئة! لكن كيف
لك أن تخرج عن مسار رهطك! كيف لك أن تختط طريقاً غير ذاك الذي سار عليه كل
الحمقى أمثالك في التاريخ كله! هل تذكرهم! ذاك الذي تربع في روما وهو يراها
تحترق أمام كأس النبيذ المسفوح على أفخاذ صباياها! ذاك الذي صرخ ذات مساء: (أرى
رؤوساً أينعت وحان قطافها) وشرع سيفه ليقطف! ذاك الذي جلب النابالم إلى سايغون
لتحرق الأخضر واليابس والحي والميت! ذاك الذي رقّم تشيلي بأرقام تطابق أرقام
فرق الموت! ذاك الذي يبني جداراً من دماء الأطفال في طولكرم! ومَن أيضاً! أكثر
من أولئك بكثير. لكنهم جميعاً من سلالتك. أنت وهم من سلالة (اللوياثان)! سلالة
الموت الوضيع! سلالة أبطال (خريف البطريرك) و(السيد الرئيس)! السلالة التي
أتقنت فن الضباع! هل تعرف هذا الفن؟ لا تقلق. لا داعي لتقرأ الكتب التي رماها
جدك في دجلة! يكفي أن تنظر في المرآة لترى. وخلف أذنك لتسمع. وبين أصابعك
لتعرف! هل سمعت عن ضبع يقاتل؟ الضباع للجيف وليست للمواجهة! وها أنت ذا تعجز عن
أصغر مواجهة! ليتك تعلمت شيئاً من طوابير الموتى التي أرداها رصاصك في الأقبية
والسجون وطوابير القتل الجماعي! ليتك عرفت ماذا يعني أن يصرخ المرء لحظة موته
أن موته له معنى! لكن، هيهات! كلكم هكذا: ضباع في السلطة، فئران في الساحة!
كلكم هكذا: جيف (تتحرك على وجه الأرض ولا تجد من يدفنها)!
هنيئاً لك! لم تكتف بأن جمعت كل
هذا الحقد والكراهية ضدك في أربعة أصقاع الأرض الرافدية وأنت ممسك بالصولجان!
لقد أكملت مهمتك وجمعت ما تبقى من الحقد والكراهية وأنت تفضل حياتك التي لم يعد
لها وجود! هنيئاً لك! الآن عدت إلى كنف أسيادك تماماً كما
يجدر بك!