(أولادكم ليسوا لكم
..أولادكم أبناء الحياة).
بضع كلمات اختصرَت تجربة
إنسانية استوعبَتها المجتمعات الديمقراطية. وتغلغلت
خيوطها بسلاسة في نسيج عادات الأفراد وأساليب حياتهم. أما في المجتمعات الأقل
حظاً فتلك معضلة أخرى لم تحلّها أقلام الشعراء أ والفلاسفة.
كم من رجالٍ ونساء
دغدغتهم تلك الرغبة الخفية بأن يعودوا أطفالاً يتعلقون بأذيال ثوب أمٍ
حانية، حين يبلغ الشعور بفقد الأمان ذروته؟ وكم من
أمهات وآباء تؤرقهم حقيقة أن أبناءهم لن يبقوا مجرد كواكب تدور في فلكهم ولا
تنفلت عن مداراتهم؟
لكن، من يحتاج الآخر
أكثر: الطفل الأضعف بنية والعاجز عن تلبية حاجاته الفيزيولوجية الأساسية
بنفسه، أم الوالدين حين تحرّكهما غريزة الامتلاك
والشعور بالقيمة النابع من حاجة الآخر لهما والرغبة
في حفظ النسب، وربما الحاجة لطفل يبدد شيئاً من ملل
العلاقة الزوجية وروتينها؟
تبدأ قصة العلاقة بين
الأهل والأبناء، لحظة انقطاع الحبل السري، بالتعقد والتشابك مع حياة حافلة
بالمخاوف والحاجة إلى الآخر والخوف المتراكب من فقدان الآخر وهجره وغضبه
وعقابه. تاركة
صاحبها نهباً لمركّبات نفسية تعمل في الخفاء،
في وجدان الفرد، على مدى سني عمره.
يتآكله القلق والشعور بالإثم. فالآباء الذين
استعبدتهم أبوّتهم في العمل ليل نهار لتأمين (لقمة العيش)، والأمهات اللواتي
نذرن أعمارهن للحنان والحرص، يجدون في أبنائهم تجلياً لأحلامهم ورغباتهم
المجهضة. مما يضع الأبناء بين فكي كماشة. أيهما يختار: أن يقطع حبل السرة
النفسي والاجتماعي ويكون ذاته الخاصة في عالم يتبدل سريعاً مولداً خوفه وقلقه
الخاص من عدم مجاراة هذه التغيرات الحادة. أم أن يبقى في الأمان العاطفي النسبي
الذي يؤمنه له الالتصاق بعائلته؟
يبدو حجم المشكلة مرعباً
في مجتمعاتنا لأسباب تتضافر وتقف حجر عثرة في طريق أي شاب أو شابة يختار
الاستقلال عن عائلته. وما يبدو أمراً طبيعياً في
مجتمع آخر. يبدو في مجتمعاتنا
مشكلة عميقة الجذور نظراً لخصوصيتنا الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية.
فالإرث الشديد الوطأة
الذي يجعل الأسرة التقليدية كياناً مقدساً، ومسلسل الحروب الذي لا ينتهي،
وهامش الحرية الفردية الضيق، ونقص الديمقراطية، وانخفاض
مستوى المعيشة، وتفشي البطالة.. كل ذلك يؤدي إلى استنزاف نفسي شديد يؤدي،
عموماً، إلى القلق والاكتئاب والإحباط. مما يدفع الفرد للاحتماء بظل العائلة
هرباً من قسوة العالم ولاعدالته.
كذلك تتحمل الأساليب
التربوية القاصرة والمتناقضة مسؤوليتها في هذا التناقض. فهي تزرع الاتكالية على
الآخر. وتهمل التدرييب على تحمل المسؤولية الحقيقية. المدرسة تعدُّ الطالب
مكلفاً بحل وظائفه وطاعة أستاذه فقط. والأهل
يقررون نوع الأصدقاء والدراسة وفرع الجامعة، وأحياناً
الزوجة القادمة، تحت ذريعة خبرتهم المتراكمة وحرصهم على تجنيب أبنائهم التجارب
المؤلمة التي سبق أن مروا بشبيه لها!
الاعتماد على النفس
وتحمّل المسؤوليات، مهارة اجتماعية يكتسبها الفرد بالتدريب والممارسة
بدءاً من طفولته. وهذه المهارة تحتاج إلى بيئة
اجتماعية توفّر مناخاً ديمقراطياً تتعدد فيه الخيارات
والفرص. وهذا ما تفتقر إليه بيئاتنا الاجتماعية عموماً.
فهي، بمختلف مستوياتها الفكرية،
قائمة على فكرة الروابط الأسرية شبه المغلقة. مرتكزة على
تكريس مفاهيم ولاء الدم للعائلة
والعشيرة والقبيلة. مكرسة الشعور بالإثم عند مجرد التفكير
بالاستقلال، قبل الزواج، عن منزل العائلة! فهذا الاستقلال هو شكل من
أشكال نكران الجميل للعائلة التي ترعرع في كنفها! ولتضحيات
الأبوين اللذين أفنيا عمريهما في رعايته
وتأمين متطلباته. لكن ليس دون مقابل. فالمطلوب منه أن
ما عجزا عن تحقيقه.. وهو
ما يردده الكثير من الأهل على مسامع أبنائهم.
تلك الرعاية التي تتضمن،
على نحو لا واعٍ، مطالبة خفية بالعرفان والولاء و(ردّ الجميل). وهو ما يضع
الأبناء في أسر جملة من التبعيات المعيقة: الخوف من غياب المورد المادي
(تبعية اقتصادية). والخوف من فقدان الحب والاهتمام
(تبعية نفسية). والخوف من نظرة المجتمع واستنكاره
لفرد تخلّى (بالمفهوم القبلي السائد) عن عائلته (تبعية اجتماعية).
يزداد الأمر سوءاً
بالنسبة للفتاة. فهي غير
معترف بها اجتماعياً في غياب الوصي (أب أو أخ أو زوج..).
كما أن شعورها بالإثم وخوفها الداخلي العميق من إقحام عائلتها في وضع
اجتماعي حرِج، هو شعور متضخم أصلاً في تربيتها على أنه عار
كامن للأسرة.
وهذه الفروق في الضغوط
النفسية والاجتماعية بين الذكور والإناث هي فروق جوهرية. فالمرأة أكثر عرضة
للانفعالية والاضطرابات النفسية من الرجل نظراً لغياب الدعم الاجتماعي لفكرة
استقلالها. بل تُنبذ في كثير من الأحيان.