في هذه الصفحة

دبابيس أبا زيد..
فلفل يا "كدع"‍..
مقارنة‍..
معارضات شعرية
اليد الواحدة لا تصفق..
سلاح الأشرطة المسجلة
حروب على الورق..
سعيس..
مقرأ على كيفك..
الصفحة الأولى

شؤون عربية ودولية

محليات
اقتصاد

ثقافة وفنون

شرفات الكلام
مجتمع
الرأي
الصفحة الأخيرة
powered by FreeFind

 شرفات الكلام/ خارج السرب/ أحمد الغفري

بين المجاملة والنفاق

كاتب "الزاوية المنفرجة" المقابلة لزاوية "خارج السرب" بسام القاضي صديق مبدع، نحّات فكرة أنيق، لم ألتق به إلا عبر زاويتينا عندما تطوى الصفحتان الثامنة والتاسعة. وهو واحد ممن ينكؤون جراح المواطن في نفسي، كما فعل في مقالة "ملح" يوم 12 تشرين الثاني.

قال: "ربما كان ذلك النوع من الكذب الذي يسمونه "المجاملة" هو ملح الحياة، كأن الحياة ليست سوى طبخة ما! مع ذلك كيف سيكون طعمها لو صارت كلها ملحاً؟!".

وأقول: إن المجاملة هي النوع الأشهر من أنواع الكذب الذي يسمونه الأبيض لأنه لا يسبب ضرراً، ولكنها عندما تتجاوز الحدود تصبح نفاقاً. والنفاق كذب أكثر سواداً وضرراً من الكذب نفسه.

ذات مساء، قبل نحو عشر سنوات دعاني الصديق أحمد شرف إلى مطعم "لاغريون" الذي يرتاده الكتّاب والشعراء في القاهرة. كان جليسانا الآخران د. سيِّد القمني الباحث المهدور دمه، وفوزية رشيد الكاتبة البحرينية. توقف بجانبنا بضع دقائق شاعر كبير رقيق، لم أرَ في حياتي من ينافسه في بشاعة الوجه، صعقتنا فوزية رشيد عندما قالت له: أنت جميل جداً! وعندما ابتعد قالت رداً على استغرابي: جميل أن يسمع هذا الشاعر الرقيق كلمة "جميل" من امرأة!

إنها مجاملة بريئة ولطيفة.

قال موظف، ليس صغيراً، ولكن الصغار النفسي والتفاهة ينقطان من كل مسامات جلده الظاهرة والخفية ممن أنجبتهم الأنظمة الشمولية، وستظل تنجبهم مادامت شمولية، قال لرجل أجمع عارفوه، وأبناء عارفيه، وعارفو عارفيه، وأزواج عارفيه على أنه الأكثر سفالة وخسة ودناءة نفس ممن أنجبتهم الأنظمة الشمولية، وستظل تنجبهم مادامت شمولية، وقد أسند إليه منصب لا يحلم بأن يكون ماسح أحذية لدى صاحبه: أبارك لك بالمنصب، وأبارك للمنصب بك! إنك أهل له!

هذا ليس مجاملة، إنه كذب ونفاق أسودان!

أرادت فوزية رشيد، بحسها الأنثوي الذكي، أن تضفي مسحة من شعور لطيف على أحاسيس شاعر، فجاملته.

وأراد الصغير جداً، التافه جداً، حامل كل عقد إنسان الأنظمة الشمولية، أن يضيف إلى عنجهية السافل المنحط سليل الأنظمة الشمولية لبنة عنجهية طبلية أخرى، وأن يشتريه إلى جانبه، لعله يغدق عليه ببعض الفتات من نعماء منصبه، فنافق له.

لست أطالب بأن نقول لكل أعور، في سلوكه الاجتماعي والوظيفي، إنه أعور. ولكنني أرفض أن نتغنى بجمال عينيه في سلوكه الاجتماعي والوظيفي، وعلى الأخص إذا كان من الناس "اللي فوق" الذي فرضتهم على رقابنا موبقات الشمولية وكبائرها. أرفض أن نكيل المديح لأمانة اللص. أرفض أن نشيد بعفة نفس الإنسان الدنيء النفس. أرفض أن نقول للمدير الفاشل بامتياز إنه عبقري عصره في الإدارة.

أما كيف يمكن أن نصل إلى ذلك؟ فهذا أحد أهم مقومات الإصلاح السياسي الذي يرتبط ارتباطاً عضوياً ومصيرياً بالديمقراطية الحقيقية، وبالشفافية الحقيقية، لا بالتشدّق الكلامي الفارغ بالشفافية والديمقراطية.