الصفحة الأولى

شؤون عربية ودولية

محليات
اقتصاد

ثقافة وفنون

شرفات الكلام
مجتمع
الرأي
الصفحة الأخيرة
powered by FreeFind

 ثقافة وفنون/ د. علي حافظ

25 عاماً على رحيل الشاعر رياض الصالح الحسين

قبر الماء... والزهرة

ربع قرن مرّ على وفاة الشاعر المبدع ملك قصيدة النثر (إن شئتم)، من منكم ما يزال يذكره.. إلى ذكراه هذه الأسطر مأخوذة من رواية قيد الطبع..!)

أياماً وأياماً أبحث في قريتي عن ذكريات طفولتي.. عن أصدقاء الزمن الجميل!

من بيت لبيت.. من شارع لزقاق.. من مقبرة إلى مقبرة.. من فاتحة إلى فاتحة.. من حي إلى ميت، ومن ميت إلى حي... أقف عليهم طويلاً.. أحدثهم بشأن حياتي، يحدثونني بشأن مماتهم الحي، خالد أنت في الذاكرة يا رياض، يا رياض الصالح الحسين!

وقفت عنده تأملته.. تأملني.. لمسته بروحي المحترقة.. لمسني بقصائده: (بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس)، جاء صوته مرحباً مع صوت ابن عمي الراكض بتداخل نبراته: (جهز الحلوى أيها الغريب القادم.. ها هو ذا صديقك الغريب الآخر الذي تبحث عنه يقف بين يديك).

انفتحت السماء.. انقلبت الأرض حديقة للحلم والألوان، وقف رياض أمامي طفلاً يحمل وردة ذابلة، وعلماً ممزقاً، وقطة منتحرة!
ـ اعذرنا أيها الطفل الجميل على غيابنا وهزائمنا.. سامحنا على خياناتنا!
ـ اقرأ الفاتحة معي يا ابن عمي.

مسح رياض دموعي بوقفة (مالك يوم الدين)، وأنا أقرأ عزة موته بالهجرية:
(الرجل مات!
الخنجر في القلب،
والابتسامة بين الشفتين..
الرجل يتنزه في مقبرة:
ينظر للأعلى،
ينظر للأسفل،
ينظر حوله..
لا شيء سوى التراب!
لا شيء سوى القبضة اللامعة
للخنجر في صدره!!
يبتسم الرجل الميت،
يربت على قبضة الخنجر.
الخنجر صديقه الوحيد!
الخنجر ذكرى عزيزة من الذين في الأعلى!).

بالقرب منا حط عصفور ودع رياضاً في ذاك اليوم الممطر مرسلاً زقزقة مبحوحة حزينة:
(لم يأسف على شيء.
حينما أخذوه إلى المقبرة!).

آه.. أيها العصفور الوفي، رياض لم يعش كما ينبغي.. أخذوه حياً إلى الموت! قتله الأصدقاء قبل موته بزمن!
ـ كم قبلة أضاع؟! كم ضوء لم يره؟! كم زهرة لم يزرعها؟! كم قطة لم يطعمها؟! كم كلمة طيبة لم يقلها؟! كم قصيدة جميلة لم يكتبها؟!
ـ اليوم لا يعرفه أحد في قريته!
ـ لم يزره غيرك منذ ذلك السبت الحزين!
ـ أيها العصفور اللطيف الوادع، الكذبة الوحيدة التي تستحق التصديق في هذا العالم القبيح هي الصداقة!

العاشق القادم
من البحر الخامس

عيناك كنكهة صيف إفريقي،
كلسعة ثورات الفقراء..
وكثلج شتاءٍ سيبيري،
يضمّ بداخله الأشياءْ
ليلاً، يا قمراً أرضياً، أحميكِ كما أحمي عينيَّ من القبلات!
أدخلك لمملكتي المنكوبة بالوجع الكوني
وأغازل صمتك فوق شفاه الصاعقة الوسطى،
فأقول:
شفتاك هما فصلٌ من عامي الثاني والعشرين
عيناك كيومٍ من أيار...
ويوم آخر من تشرين.
وجبينك كالخبز الأسمر في تنور الضيعة، 
أحمله بكفيَ متخوفاً باللهفة والحب الريفي
وأنا أهواك طريقا موصولاً مع حبل السرّة،
والزفرات الحمر، الصفر، البيض، السود
فالنهر الأصفر يركض في شريان بداوتنا
والبحر الأحمر يقفز في واحات محبتنا
والبحر الميت والأسود والأبيض دخلوا المملكة
المنكوبة بالوجع الكوني
يا جسم حبيبي الأخضر ما زال الجائع جوعانْ
يا وجه حبيبي/ العاشقُ والشاعرُ والثائرُ يولدُ
في كل الأزمانْ

شعر:
 رياض الصالح الحسين

تجمعت العصافير.. تداخلت ربابتها مع كلمات رياض بعيداً في الحقول، لكأنها تكمل قراءة ما بدأت.. سماء فضية تنزلق على رصيف ندي.. تتساقط النجوم، وكوكبة من خرير الوله تنحني على أرداف الشاهدتين: (ولسوفَ يعطيكَ ربُّكَ فترضى).

ـ نحن ننتظرك أيها الصديق الجديد، عالمنا الضبابي البارد أجمل من عالم البازلت وقلوب الحديد، جاء صوت من رفة العصافير الممتدة بين أجنحة الضباب.. ضج عالمي رغبة في الرحيل! نظرت بعيداً.. كان يمشي، ويمشي (متألقاً كنجمة في السماء، وحراً كوعل في الغابة!).

قرئ على الشاهدة مايلي:
(هنا يرقد الشاعر رياض الصالح الحسين الذي توفاه الله بيوم السبت الواقع 4 صفر 1403، والموافق 20 تشرين الثاني 1982 ميلادية).

دفن في قرية مارع (شمال حلب)، وأنا أقرأ الفاتحة، وأُعدّ ما كتبت!

 

ارتدوا العشب أو البحر!!

في 16 أيلول 1975 أرسل رياض الصالح الحسين رسالة ودية إلى الشاعر محمود علي السعيد شاكراً إياه على وضع اسمه ضمن لائحة الشعراء الشباب الذين سيشاركون بالمهرجان الشعري السنوي المقام بالنادي العربي في حلب، ومعتذراً عن عدم حضوره لفعالياته بسبب الظروف الصعبة والقاهرة المحيطة به في العاصمة!!

من المعروف أن رياض انتقل في منتصف السبعينيات إلى دمشق بحثاً عن حياة (ليست عادية) على حد تعبيره. لكن هذه الحياة ـ الحلم كانت تتوارى بين أصابعه كالزئبق، ولا تترك أثراً يمكن الإمساك به غير عذابات الروح وأوجاعها! في هذه الأثناء حمل شاعرنا البسيط كالماء.. الصريح كطلقة مسدس بقلبه (كثيراً من الحب لأشجار دمشق، وشوارعها الفخمة، وسكانها.. البؤساء!)، وفي نفس الوقت حمل (كثيراً من الحقد على أشجار دمشق، وشوارعها الفخمة، وسكانها.. البؤساء!). حمل رياض بداية مع أخيه عند الخياط علي الدخيل بالمرجة ببناية العابد! هل هذا جيد؟! يتساءل في رسالته.. إنه يحيك لـ( الناس أشكالاً مزخرفة ستبلى بعد أشهر.. بعد عام!)، لكنه كان دائم التفكير بمصير أولئك البسطاء الذين ما إن يلبسون بنطالاً جديداً حتى يختالوا كالطواويس، كأنهم (ارتدوا العشب، أو البحر!!). ثم يتساءل بمرارة وحزن: (متى يستطيع أن يحيك لهم، وله أياماً طلقت القهر، كما طلق يأسه؟!).

في هذا الوقت بدأ رياض الصالح الحسين يشق طريقه الصعب في الحياة، ويخط معالم مسيرته الأدبية بنجاح ملحوظ، ناشراً نتاجاته الإبداعية بمطبوعات العاصمة: (المسيرة)، (الثقافة الأسبوعية) و(الثورة).، لكنه لم يكن سعيداً ومسروراً بهذا ـ إذ إن ظروفه الاجتماعية غير مستقرة، وأوضاعه المعيشية معقدة، وحالته الصحية السيئة تضغط على روحه وجسده ليركن إلى الهدوء، ويرحل إلى الأبد!

رياض برسالته يسأل عن حلب؟ عن المخيم والطين في شتائه الحزين! كما أنه يرسل قصيدة (العاشق القادم من البحر الخامس) طالباً من الشاعر محمود علي السعيد المساعدة على نشرها بجريدة (الجماهير) الحلبية، راجياً أن يكون هذا (دون حذف، أو بتر أصابع، أو نزع أضلاع)، كما يحدث عادة في أغلب صحفنا! لكن القصيدة للأسف لم تنشر لأسباب غير معروفة! اليوم، وبعد أكثر من 28 سنة على كتابتها، و15 سنة على رحيل شاعر البراءة الأولى رياض الصالح الحسين ترى الضياء عبر جريدة (النور)..، وتعدّ القصيدة من أرق ما كتب الشاعر عن العزلة، والألم، والحرمان، والحب المستحيل..