تعاني غالبية دول العالم
الثالث زيادة مفرطة في عدد السكان، وأمام هذا الانفجار الديمغرافي تواجه الدول
أزمات عديدة تتعلق بنموها الاقتصادي والثقافي والعمراني.
إن مشكلة السكن هي من
أهم المشكلات المستعصية على الحلول المدروسة أحياناً والمرتجلة أحياناً أخرى من
أجل إيواء العدد الأكبر من السكان.
وتشكل الهجرة الداخلية
من الريف والمدن الصغيرة إلى المدن الكبرى أهم المشكلات المعترضة لعملية
التنمية الشاملة في بلدان العالم الثالث.
هل ولدت مدن كبرى في دول
العالم الثالث؟ أم أنها مدن ضائعة محاطة بأحزمة الفقر وخلايا السكن السرطانية
التي تعيق النمو وتحدث إرباكات في عملية التنمية الشاملة؟
دمشق إحدى المدن التي
تواجه المشكلة.
الهجمة الديمغرافية
الهائلة على دمشق تطرح سؤالاً.. هل دمشق مهيأة لاستقبال العدد الهائل من سكان
سورية؟ رغم أنها تعاني نقصاً شديداً في موارد المياه وفرص العمل، فإنشاء
الصناعات وقيام زراعة وافرة تستوعب اليد العاملة المهاجرة إلى دمشق تتطلب وفراً
هائلاً من المياه، وقد اتخذت الحكومة عدة إجراءات لحل الأزمة ومنها إقامة
الضواحي السكنية، وحط بنا الرحال في ضاحية الثامن من آذار إحدى الضواحي. فهل
شكلت الضواحي حلاً للأزمة؟ أم أنها أنتجت مشاكل خاصة بها وأصبحت تريد حلاً؟
قمنا بجولة في تلك
الضاحية للوقوف ميدانياً على عمق المشكلة، والتقينا بعدد من المواطنين من شرائح
مختلفة ثقافياً.
يقول عبد الحميد الزغبي
"28 عاماً"، يعمل بقالاً في المنطقة: أنا من ريف إدلب متزوج ولدي أربعة أولاد
أتيت إلى دمشق من أجل العمل وكسب قوتي بعد أن ضاقت بي السبل في موطني، وقد
استأجرت المحل والبيت. هذه المنطقة عبارة عن مجموعة متناقضات ولدت علاقات
مختلفة جداً، سمة علاقات الناس هنا المزاجية والقوة والنفوذ. تصور هنا لا يوجد
أي محل مرخص، والسبب هو العلاقة العقدية ما بين المالك والمستأجر. طبيعة العقد
تكون عقد شراكة لا عقد إيجار، وبالتالي لا نستطيع أن نحصل على رخصة تجارية أو
غيرها. فأنا مثلاً أبيع دون رخصة إيجار لأنني تحت رحمة المالك وهذا حال جميع
المحلات التجارية وغيرها في هذه المنطقة.
أبو عمار مهندس "45
عاماً" متزوج: ما دفعني إلى دمشق هو حبي لها، تلك المدينة الحالمة بين أحضان
الغوطة وقاسيون، هذه الصورة التي رسمت في ذهن الجميع منذ الطفولة.
السؤال: أين هذه الغوطة
الوديعة؟ من المسؤول عن قتل كل حلم جميل؟ انظر برأيك هل تحس أنك في دمشق؟ أم
أنك في منطقة منسية تماماًَ؟
عنوان حضارة الشعوب يبدأ
من النظافة وهي غير موجودة، فهناك الجرذان التي يزن كل منها نصف كيلو غرام،
والله صرنا نخاف منها على أطفالنا والنساء: تصور أنها تصعد إلى الطابق الرابع!
وفي أي مكان تكون النظافة معدومة فهذا دليل على وجود معاناة حقيقية لسكان
المنطقة من حيث انعدام الكهرباء والمياه النظيفة والطبابة، وظهور جشع التجارة
وما يترتب عليه. إنها جزيرة كروزو حيث يطلب منك أن تتعايش مع الطبيعة.
أم محمود جامعية وموظفة:
المعاناة تبدأ من المنزل إلى الشارع إلى مكان العمل تبدأ من الماء والكهرباء
والنظافة العامة، مروراً بالنقل من وإلى المشروع، فنحن نقع تحت رحمة السائقين،
لا يوجد لهم ضابط أو وازع أخلاقي، التسعيرة مضاعفة "10ل.س" بدلاً من "4ل.س"
ونعاني حالة الخوف على فلذة أكبادنا خلال رحلة ذهابهم إلى المدرسة أو العودة
منها، فهم يقطعون أوتستراد درعا ذهاباً وإياباً من غير إشارة أو نفق أو جسر،
نحن تحت رحمة سائقي الشاحنات والدراجات التي تسابق الريح.
دائماً بالنا مشغول على
أبنائنا. ناهيك بالمستوصف الموجود ذي الكادر الخجول، وفي حال تعرض شخص لمشكلة
صحية ليلاً نعيش معاناة حقيقية، لأننا في منطقة مقطوعة عن المدينة والحضارة.
وهذه الضاحية الكبيرة المترامية الأطراف لا يوجد لها سوى مدخل وحيد. ما أريد أن
أقوله إننا نعيش بغير هذا القرن نعالج ما نعانيه بشكل بدائي من تخزين مياه
واستعمال الشموع ونعالج الأمراض الطارئة في الليل بشكل بدائي من استعمال زيت
الزيتون والزهورات والبصل وغيرها، وهذه الظروف خلقت لدينا علاقة اجتماعية خاصة.
المواطنة ندى حنتوش 27
عاماً، ربة منزل متزوجة وأم لثلاثة أطفال من أهالي محافظة دير الزور: زوجي موظف
عام، أول ما أتينا إلى دمشق كان زوجي يعمل أعمالاً حرة، ومن ثم حصل على فرصة
عمل في إحدى الوزارات. نحن مستأجرون بيتاً ونعيش بمستوى دون الوسط وأكثر ما
نعانيه هو عدم وجود رقابة تموينية على متطلبات المعيشة، فكل محل يبيع على
مزاجه، تصور أن ثمن كيلو غرام اللحمة "400 ل.س"، ولا يوجد فرن، وبالتالي التجار
يتحكمون بمصيرنا. ربطة الخبز مخالفة للمواصفات من حيث الوزن والجودة والسعر،
الربطة 9 أرغفة وثمنها "15" ووزنها "1200غرام" والمسؤولون لا يحركون ساكناً،
كأن هذا يحدث في سيراليون.
عبد الحميد الخلف، صيدلي
من القامشلي 30 عاماً متزوج:
بصفتي كيميائياً وأعرف
ماذا يعني الميكروب والفيروس فإنني ألفت نظر الجميع إلى أن المياه التي تستهلك
غير صالحة تماماً لا للشرب ولا للغسيل. المياه المنقولة بالصهاريج والتي تباع
للمواطنين سواء كانت للشرب أو للغسيل مخزنة، وبقايا مياه المسابح وما يدفع
المواطن لشراء المياه هو ندرة المياه، إذ تضخ المياه إلى المنازل من قبل مؤسسة
المياه كل سبعة أيام أو عشرة مرة واحدة ولمدة ساعتين.
مطصفى حمشو زيدان عازب
21 عاماً، لحام: المرض أصبح صديقي الدائم بسبب المياه، ولكن حياتنا هي كلها
معاناة. عن أي شيء تريد أن أتكلم عن الشوارع غير المعبدة أو عن الكهرباء التي
أصبحت للإنارة فقط، إن أتت، حيث جميع المنازل أوقفت الآلات بسبب عدم نظاميتها،
سببت أعطالاً وحرقاً للآلات والمعدات الكهربائية ناهيك بعدم الأمان بسبب أن
المنطقة تجمع كبير جداً بحدود "25 ألف نسمة" بمستويات مختلفة، ولا توجد أي نقطة
محولة للمحافظة على الأمان فأقرب مخفر للشرطة يبعد نحو 5 كيلومترات.
جمعنا أوراقنا وحملنا
هموم المواطنين إلى رئيس بلدية الضاحية السيد علي رحية، اعترف الرجل بكل
المشكلات، وأقر هموم المواطنين وتكلم بصيغة المسؤول، بدأ كلامه كالعادة بضعف
الإمكانات وقلة الموازنة، وتحدث عن عمل البلدية بكل إمكاناتها وما تبذله من
جهود استثنائية لحل مشكلات المواطنين.
البلدية لم تأل جهداً في
خدمة المواطنين، والمسؤولون متجاوبون وستغدو الضاحية ضاحية أخرى في المستقبل
القريب، وما على المواطنين إلا أن يستبشروا "تفاءلوا بالخير تجدوه".
وتابع يقول حول تساؤلات
المواطنين: تتركز مهام البلدية على الواقع الخدمي "النظافة وترحيل القمامة
وتنظيف الشوارع والعناية بالحدائق العامة". لقد قامت البلدية بتلزيم عقد
النظافة لمتعهد، والمتعهد يقوم بعمله يومياً على أكمل وجه، ونأمل من المواطنين
الالتزام برمي الأوساخ في الأوقات المحدودة، وقمنا بنشر إعلانات على مداخل
الأبنية للحفاظ على النظافة، كما تقوم البلدية بحملات مكافحة ورش الشوارع
بالمبيدات من أجل القضاء على القوارض والزواحف، والبخ الضبابي من أجل القضاء
على الحشرات ومكافحة الكلاب الشاردة.
ونحن على استعداد للسماع
والتجاوب مع مشكلات المواطنين، وهناك تجاوب من المحافظة والوزارة والبلديات
المجاورة، فقد تلقت البلدية مبلغ 500 ألف ل.س منحة من محافظة الريف من أجل
العناية بالنظافة وترحيل القمامة، و500 ألف من أجل شراء جرار مع مقطورة لسقاية
الحدائق من قبل الوزارة.
وبشأن إحداث مخفر للشرطة
فقد وافقت الجهات المعنية وحددت البلدية موقعاً لبناء المخفر.
وحول شكوى المواطنين من
خطورة عبور التلاميذ للطريق العام وعدم وجود إشارة مرورية والحاجة الملحة
لإقامة نفق أو جسر عبور، أجاب: الطريق غير تابع للبلدية وهناك دراسة من أجل
تعبيد الطريق العام وتزفيته وتأهيله "مدخل دمشق القديم" على امتداد الضاحية
بطول 500م. وقد سلمت وزارة المواصلات موقع العمل إلى شركة الطرق والجسور "قاسيون
سابقاً"، ورغم كل تأكيدات البلدية والوزارة والمحافظة إلا أنها لم تلق آذان
مصغية من الشركة المذكورة منذ أكثر من عامين.
وفي الختام، في كل مجتمع
فجوات، ولمجتمعنا فجواته الواسعة أحياناً بين الريف والمدن، وبين الأحياء
المدنية وبين مراكز المدن الكبرى وضواحيها.
في الغالب يكون الريف
سكن المترفين.. فهل مدننا الريف؟ أم ريفنا المدن؟ هل تشكل الضواحي السكنية
مرتعاً من ضغوط المدن ومشكلات العمل؟ أم أنها أصبحت مجرد مستعمرات سكنية على
حساب الزراعة والغطاء النباتي والجمالي فقط لإيواء الزاحفين باتجاه المدن
الكبرى بحثاً عن ذاتهم؟