في روايته: (حالة شغف) يعود نهاد سيريس إلى ثلاثينيات القرن العشرين في حلب, لا ليستعيد الأحداث والصراعات السياسية العاصفة التي تشكّل خلفية عمله في تلك المرحلة, إنّما ليدخل منطقة ممنوعة, وليكسر حاجز الصمت عنها, الذي لم يجرؤ على كسره من قبل إلا بعض الأقلام النسوية المحدودة! مصوّراًـ من خلال قصّة حب آسرة وشائقةـ الطقوس والعلاقات والمناخات الإيروتيكية الخفيّة والملتبسة لشريحة اجتماعية نسوية يطلق عليها اسم (بنات العِشْرة), يستهويها الرقص والغناء والعزف, ويحيي بعضها حفلات الأعراس والأفراح والطرب في البيوتات الثريّة, والمقاهي, والحمّامات. وغالباً ما يجمع بينها المنبت الطبقي, والمستوى الاجتماعي, وروابط المهنة, وظروف العمل من ناحية, والميول والعلاقات المثلية من ناحية ثانية. وتخلص هذه الرواية في بنيتها الفنيّة للموروث الحكائي الشعبي بما تتضمنه من حبكة وتشويق ومصادفات ومفاجآت على مستوى المضمون, ومن راو ومروي له على مستوى الشكل. محاولة الإفادة في الوقت نفسه من تقنيات الرواية الحديثة, لتخرج في النهاية بقالب جديد يجمع بين الحكاية والرواية. ويمكن للدارس تحديد سمات هذا القالب عبر الوقوف على المتن الحكائي, والمبنى الحكائي, ومرجعيات السرد, واستراتيجية العنونة.ـ المتن الحكائي: المتن الحكائي fabulaـ على حد تعبير توماشفسكي هو مجموع الأحداث المتصلة فيما بينها, والتي يقع إخبارنا بها خلال العمل(2). وهذه الأحداث في (حالة شغف) تنقسم إلى قسمين: الأوّل يبدأ من الحاضر زمن كتابة الرواية (1998) وينتهي خلال خمسة أيام منه. والثاني يبدأ من الماضي في العام (1936) وينتهي في العام (1950). في القسم الأول الذي تجري أحداثه في الريف وتبدأ من الزمن الراهن نتعرّف إلى رئيس فرع في المصرف الزراعي ضل طريقه في ليلة ماطرة أثناء تكليفه بمهمة إلى أن اهتدى إلى بيت منعزل, حيث ُيقابله فيه بجفاء الخادم إسماعيل، ويحتفي به صاحبه الشيخ نافع باشا الذي يقص عليه حكاية حبه الغريبة لوداد وشغفه بها, وحكاية بنت العِشرة الخوجة بهيرة مع خليلاتها وشغفها بهن, خلال خمسة أيام هي فترة إقامته عنده ريثما توقف المطر. وفي القسم الثاني الذي تجري أحداثه في حلب ويبدأ من الماضي، نتعرف إلى أبطال الحكاية المحوريين وهم الخوجة المثلية بهيرة الحلبية التي تدير فرقة فنيّة للحفلات والأعراس, وعشيقتها الأولى الريفية بديعة التي خالفت أوامرها وتزوّجت سرّا من اليوزباشي التركي مدحت, ثم عشيقتها الثانية وداد ابنة بديعة التي خرجت عن طوعها أيضاً وارتبطت بعلاقة سريّة مع نافع باشا وأنجبت منه ابنه إسماعيل الذي لازمه فيما بعد خادماً له. أما الشخصيات الخيطية والثانوية التي ترتبط بمسار الحبكة السردية فتتعدّد بتعدّد أدوارها ووظائفها الاجتماعية والفنيّة, ومنها:سعاد عازفة الكمان, وفريدة عازفة القانون, وخليلتها عائشة عازفة الإيقاع, وعازفة العود بهيّة السمينة, وراقصة الفرقة راحيل اليهودية, وفاطمة خادمة بهيرة. إن تسلسل أحداث هذا المتن القائمة في جزء منها على المصادفة المرتبطة بنمط الحكاية الشعبية: (المطر الغزير, تعطل السيارة, الضياع في الطريق, الخوف, رؤية البيت, الشعور بالأمان), ثم (تماثل مصير الأم والابنة), تكشف في الوقت نفسه عن بنية مرتبطة بنمط الرواية الحديثة القائمة على المزج بين زمنين متباعدين: الماضي, والحاضر. ومكانين مختلفين: المدينة والريف. وشخصيتين نمطيتين مختلفتين: البسيطة والمركّبة. ومرجعيتين سرديتين: الواقع والخيال. وعبر هذه الثنائيات المتناقضة ينشأ صراع خفيّ ومعلن, يشكّل أبرز عناصر التشويق في المتن الحكائي من مبتدئه إلى منتهاه. المبنى الحكائي: المبنى الحكائي كما يعرّفه توماشفسكي انطلاقاً من تصوّرات الشكلانيين الروس هو الذي يتألف من الأحداث نفسها بيد أنه يراعي نظام ظهورها في العمل, كما يراعي ما يتبعها من معلومات تعيّنها لنا(3). فإذا كان المتن هو مادة الحكاية (fabula) فإن المبنى هو الخطاب (discourse), الذي تتمظهر من خلاله الحكاية فنيّاً. ويمكن أن نعاين في الخطاب أشكال الزمان/ المكان, والصيغة السردية, ووجهة نظر الراوي. 1 أشكال الزمان/ المكان إن لحظات مثل الضياع , والبحث, والعثور, التي تتصل بالثيمات الرئيسة للحكاية الشعبية غالباً ما تؤدي في الرواية الحديثة دوراً تأليفياً أيضاً. ومن هنا كان زمان/ مكان اللقاء, الذي حكمته المصادفة وحدها, بين الموظف رئيس الفرع الذي ضلّ طريقه, والعجوز نافع باشا, اختياراً فنيّاً مناسباً لنسج أولى خيوط الحبكة الدرامية في (حالة شغف). وهذا الزمان/المكان الدرامي, المحدّد في الراهن (1998), تم اختراقه بأنساق زمنية مكانية بيوغرافية من الماضي تمتد ما بين عامي: 1936 و1950, وهي الفترة التي تستغرق جزءاً من سيرة الشيخ نافع وعلاقته بوداد. ومن هنا فإن زمان/ مكان الخطاب الروائي لا يتوالى على نسق واحد من الماضي إلى الحاضر كما يقتضي سياق الحكاية, إنما يتناوب زمنياً ما بين الحاضر والماضي, والماضي والحاضر, ومكانياً ما بين بيت الشيخ نافع في الريف, وبيت الخوجة بهيرة في حي الفرارة بحلب, وما بين حمّام النسوان وسينما روكسي ومقهى البرتقال بحلب, وبيت بديعة في ميدان إكبس. وهذا التناوب يضفي حيوية بالغة على البرنامج السردي, وينأى به عن الرتابة والإملال. إن بيت العجوز نافع, بزخارفه, ولوحاته الزيتية, وصوره العائلية المعلّقة على الجدران, وتحفه المقتناة من مختلف أنحاء العالم, يبدو مكاناً مشبعاً بالزمن ومشحوناً بالذكريات. أما بيت بهيرة بباحته السماوية وإيوانه المفروش بالمقاعد والكنبات, ونافورته وشبابيكه المتقابلة وآلاته الموسيقية, وبنات ِعشْرته, فيبدو مكاناً جاذباً مشبعاً بكثافة سيكولوجية, ومشحوناً بالرغبات والملذات والنوازع الغامضة. وينم تصوير الأمكنة المتنوعة عن ولع بالتفاصيل الصغيرة, وإحساس جمالي مرهف يبدو أقرب إلى شخصية المؤلف الضمني لا شخصية الراوي الموظف الذي يتقنع به. الصيغة السردية: تتناوب صيغتا ضمير الغائب وضمير المتكلّم على النهوض بالبرنامج السردي بلسان الشخصيّة المحورية الشيخ نافع باشا بصفته راوياً مشاركاً في الأحداث الماضية والراهنة. فيما تختص صيغة (ضمير المتكلّم) بموظّف المصرف الذي يتحوّل من مرويّ له إلى راو مشارك في الأحداث الراهنة. وإذا كانت الصيغة السردية ترتبط بتقاليد استهلال الحكاية الشعبية: (قال الشيخ ص20), فإن تنوّعها ما بين راويين ووجهتي نظر يرتبط بتقاليد الرواية الحديثة, التي يشكّل فيها تعدّد الرواة وتعدّد الأصوات ملمحاً فنيّاً رئيساً. وهذا المزج الفنّي بين صيغتي الحكاية والرواية يحقّق التواصل مع الموروث من جهة, ويحرّر السرد من هيمنة الراوي الأحادي, ويتجاوزه إلى فضاء التحديث والتجريب من جهة ثانية. إن الراوي بضمير المتكلم على لسان الموظف غالباً ما يقتحم السرد بتقنيات فنية متعددة مستمدّة من الفن السينمائي أبرزها (القطع) و(الاستباق) و(الاسترجاع). فالقطع, نعني به: توقف السرد في نقطة محدّدة لسبب ما ثم العودة إليه بعد زوال هذا السبب: (دخل الخادم علينا وبيده إبريق من الشاي الحار.....وما إن خرج الخادم وأغلق الباب حتى جاءني صوت الشيخ الهادئ والرخيم. ص27). فدخول الخادم هنا هو سبب (القطع), وخروجه سبب عودة الشيخ إلى السرد. ويأتي (الاستباق) ليشير إلى أحداث تقع للراوي في المستقبل:(وقد حلمت فيما بعد بتلك الواقعة عدّة مرّات. ص 9). (أريد أن أستبق الأمور وأعلم القارئ الكريم بما جرى أثناء سرد هذه الحكايات وما بعدها, فقد جعلتني هذه الحكايات أقيم في بيت الشيخ خمسة أيام بلياليها. ص 17). أما (الاسترجاع) فيستعيد فترة أو مشهداً أو يؤرّخ لحدث: (حدث ذلك في الشتاء الماضي..كنا ثلاثة السائق ومساعدي الأستاذ تميم وأنا. ص8). وتلعب هذه التقنيات دوراً في الإيهام بواقعية الحدث, وفي الربط بين الحاضر والماضي والمستقبل, مما يسهم في التشويق وشحذ ذهن المتلقي ومخيّلته. وبقدر ما ينجح الراوي بصيغه وأشكال حضوره المختلفة في النهوض بالسرد الذي لا يخلو أحياناً من نزعة بوليسية شائقة، ولا سيّما في المشاهد المرتبطة بعلاقة الموظف بالخادم إسماعيل, فإنه يخفق أحياناً في المشاهد الحوارية التي يبدو متردّداً فيها ما بين استخدام الفصيحة والعامية في استنطاق شخصياته. فيأتي الحوار مرتبكاً وغير متناغم مع منطوق الشخصية. ففي الوقت الذي تتحدّث فيه الخادمة فاطمة التي عاشت بين الأرمن والأكراد لهجة منسجمة مع نفسها على الرغم من نبرتها العامية المفرطة, فإن وداد الأميّة تتحدث كما لو أنها مثقّفة في المشهد الذي يجمعها بها ص84: (ـ إنني أكره الخوجة بهيرة. ـ لا تكره خوجة..هو يعرف مصلحة أنت..هو يخاف عليك. ـ خذيني معك يا فاطمة. ـ صعب وداد حبيبي..أنا خدام بيوت..أنت ست ستات. ـ قولي لي إذن أين ستذهبين سوف أحاول جعل الخوجة بهيرة تعيدك إلى هنا). إن عدداً من المفردات على لسان وداد, مثل: (إنني, إذن, ستذهبين, سوف), تبدو مخالفة لمنطوقها, وتشكّل مفارقة ناشزة في سياق اقترانها باللهجة العامية الركيكة للطرف الآخر. 3ـ وجهة نظر الراوي: إن الراوي في صيغتيه (المتكلم والغائب) وفي صوتيه: (الموظف والشيخ نافع) يكشف عن وجهة نظر حيادية تجاه الأحداث والشخصيّات والإثنيات العرقية والدينية, لا تدين أو تؤيد بقدر ما تصوّر وتسبر تاركة الحكم للقارئ في تعاطفه أو في نفوره مما يقرؤه. ولا تقتصر وجهة النظر على مقاربة عوالم وطقوس الأثرياء وبنات العِشرة, إنما قاربت عوالم عدد من الشخصيّات الفقيرة, والمهمّشة, والمتمرّدة, والغامضة أيضاً, مثل: الخادمة فاطمة, والمجذوب عبدو السنكة, والثائر كردو الجبل, والابن الخادم الغريب الأطوار إسماعيل. إن تحرّر وجهة النظر من الدعاوة الإيديولوجية المباشرة لا يعني حياديتها المطلقة, فهي تضع المتلقي في سياق فنّي يستنهض قيم الحقّ والجمال ويحثّه على نصرة المظلومين والبسطاء من النساء والرجال الذين دفعتهم ظروف الحرب والصراع الدولي على سورية إلى فقد أهلهم وتشرّدهم وجوعهم كما حدث مع بديعة وابنتها وداد, وفاطمة, وكردو. ـ مرجعيات السرد: يمتزج الواقع بالمتخيّل في مرجعيات السرد على نحو فنّي يكاد القارئ لا يميّز فيه بين الاثنين. فعودة وفد الوطنيين من باريس برئاسة هاشم الأتاسي واستقبال المفوض السامي المسيو دو مارتيل له في حلب, يعدّ حدثاً تاريخياً مشهوداً وموثّقاً. أما ظهور صورة وداد مع المفوض السامي فإنه يدخل ضمن دائرة المتخيّل الروائي. كما أن أسماء الحارات والأمكنة ودور السينما والحمّامات في حلب حقيقية وواقعية, أما ما كان يجري فيها من أحداث فمتخيّلة. وهذا التداخل بين الواقع والمتخيل يمتد إلى الإهداء الذي جاء بصيغة: (إلى وداد الحقيقية). ليشير إلى أن بطلة الرواية وداد شخصيّة متخيّلة وغير حقيقية. ويوظف الراوي كثيراً من التواريخ ووثائق الزواج والسفر والوفاة, التي تشي بواقعيتها من خلال تحديد زمنها باليوم والسنة. كما يستثمر أسماء عدد كبير من الراقصات والمطربين والملحنين, وحتى أسماء الأطباء المشهورين في الفترة التي تجري فيها أحداث الرواية, لكن هذا التوظيف ليس مقصوداً لذاته بل ليوهم بواقعية الحدث المتخيّل لا بحقيقته التاريخية أو الوثائقية. استراتيجية العنونة: يتناغم العنوان الرئيس للرواية: (حالة شغف) مع مجمل بنيتها السردية والدلالية, فالشغف خبز الشخصيات وهواؤها الذي تتنفّسه, بدءاً من شغف الشيخ نافع بوداد, وشغف بهيرة ببديعة ووداد, ومروراً بشغف الموظف في المصرف الزراعي بالحكاية التي يرويها الشيخ نافع وباكتشاف سرّ إسماعيل وسرّ الفتاة التي ظهرت في صورة مع المفوّض السامي عند استقباله وفد الوطنيين العائد من باريس برئاسة هاشم الأتاسي, وسرّ اختفاء الدكتور وليد فارس, وانتهاء بشغف القارئ بهذا العالم السرّي الإيروتيكي المغلق الذي يسمّى: (بنات العِشْرة)! أمّا العناوين الفرعية الطويلة التي تحاكي أسلوبية العنونة في الرواية الكلاسيكية كما في (دون كيخوته) فقد جاءت ثلاثة منها في صيغة الاستفهام المشوّق والمحفّز على القراءة, وهي: كيف ظهرت وداد البريئة في صورة مع المفوّض السّامي؟ و كيف استقبلت الخوجة بهيرة وداد، وكيف قبّلتها أول قبلة؟ وكيف خطّط إسماعيل خادم الشيخ لقتلي أو على الأقل دفعي إلى الهرب؟ وتمثل هذه العناوين/ الفصول, بداية ووسط وذروة الحبكة الدرامية في الرواية. فيما جاء الفصل الرابع معنوناً بكلمات أغنية غزلية, والخامس بعنوان : من محطة القطارات إلى سينما روكسي, والسادس والأخير بعنوان: بقية الحكاية كما استنتجتها بنفسي وكيف هربت من إسماعيل وأخيراً النهاية.وتشكل عناوين هذه الفصول وما تحيل عليه في المتن ما يسمّى بنقطة التنوير التي يكتشف من خلالها القارئ سرّ إسماعيل وسر الصورة وسر الشيخ نافع وعلاقته بوداد. إن (حالة شغف) مغامرة روائية شكلاً ومحتوى, تجمع ما بين تقاليد الحكاية الشعبية وحداثة البنية الروائية, وهي جديرة بالالتفات والتقدير, وإن كان القارئ يتمنى عند طباعتها للمرّة الثانية, أن يعاد النظر في مشاهدها الحوارية, وفي صياغات بعض الجمل المترهّلة, وتصحيح ما وقع فيها من أخطاء مطبعية كثيرة قد تفسد عليه استغراقه واستمتاعه بعوالمها الآسرة.
1ـ سيريس, نهاد: حالة شغف رواية ط1 دار عطيّة بيروت دمشق 1998. 2 للتوسّع: يقطين, سعيد: تحليل الخطاب الروائي الزمن, السرد, التبئيرـ ط1 ـالمركز الثقافي العربي بيروت الدار البيضاء 1989ـ ص29. 3 المرجع السابق ص29 وما بعدها.نـذيـر جعفـر النور 391 (3/6/2009)
|