|
لغة السينما بين النص والدلالة |
|
|
|
بقلم: خليل البيطار
|
اللغة وسيلة إيصال المشاعر والأفكار والرؤى إلى المتلقي، وهي في الشعر تركيبية، في حين تختص الكتابة النثرية بالتحليل كما رأى عز الدين إسماعيل، ولغة السينما تختلف عن لغة الشعر والنثر ولغة الفنون التشكيلية باعتبارها تستطيع التقاط صورة الحركة أياً كان نوعها والتعبير بوساطتها عن فكرة يراد إيصالها إلى المتلقي. والدراسة المنهجية التي أعدها علاء عبد العزيز السيد بعنوان (الفيلم بين اللغة والنص) والصادرة عن وزارة الثقافة عام 2008، تجمع بين المقاربة النظرية والتطبيق الواضح، وتضيء العلاقة الوشيجة بين لغة السينما ولغات التعبير المختلفة، وما بين وسائل الإيصال هذه من تمايز واختلاف. عالج الباب الأول من الدراسة في ثلاثة فصول دور اللغة في الحياة وتطورها، وماهية الفن ومادة العمل الفني وبنيته التنظيمية، وخصائص اللغة السينمائية من حيث التقاطها الحركة المرئية واستدماجها لمفهوم التكوين التشكيلي في منظومتها، وقدرتها على الإيهام بالواقع، وتأثيرها في الدعاية الفكرية باعتبارها فناً جماهيرياً يستهلك على نطاق واسع (ص 73-78). وعالج الباب الثاني في الفصل الأول منه مفهوم النص بحسب تعريفاته المختلفة، ومنها تعريف بول ريكور، الذي يرى أن النص هو كل خطاب يمكن تثبيته عن طريق الكتابة كي يوجه من طرف إلى آخر (ص 105)، أو تعريف باختين الذي يرى أن النص هو المفجر الأساسي للتساؤل والاستفهام ومجال وجودهما معاً. أو النص الفيلمي فهو خطاب ذو فاعلية وقصدية يؤثر في المتلقي عبر استخدام الرموز البصرية والسمعية التي يضعها صانع الفيلم (ص 116)، وهو مجال العلامات المنتجة للرسائل التي يتلقاها المتفرج من صانعي الفيلم وفق سياق منطقي يكسب هذه الرسائل قيمتها ص 118. والسينما هي عالم الصورة المحملة بالدلالات، وهي حالة تعبيرية تقدم خلالها الأشياء والأفكار والمجردات، وتدرك بطريقة محسوسة من المتلقين، واللقطة في الفيلم السينمائي تعمل على مستويين من التفاعل فهي تحمل داخلها الزمان والمكان، وتحمل الممثل والديكور والإضاءة والحوار والموضوعات في آنية واحدة، وبشكل متزامن من أجل إنتاج الدلالة والمعنى (ص 128)، وللمونتاج دور مهم في خلق الدلالة الفيلمية، إذ أتاح رحابة في التعبير، والتعامل مع الواقعة التي تدور أمام الكاميرا بشكل جيد، وتعدد زوايا التقاط الصور وإطالة الزمن أو تكثيفه وتداخله وارتباطه بما يدور من أحداث. وللمونتاج دور في تمييز دلالة التفاصيل وأسلوب سردها، وعرض وجهة النظر، وإبراز علامات مرور الزمن عبر الإظلام التدريجي أو الظهور أو المزج، وإن كان هذا العنصر الأخير لا يخضع لضوابط محددة. وعرض الباحث في الفصل الثالث من الباب الثاني تحليلاً نصياً تطبيقياً لفيلم (المومياء) لمخرجه شادي عبد السلام، وهو فيلم روائي طويل أخرج عام 1975، يطرح موضوعاً يتصل بالحقبة الفرعونية، ويناقش مسألة الهوية والانتماء، ويستند إلى بردية من كتاب الموتى يتحدث عن الخلود والحياة بعد الموت، والصراع من أجل البقاء، ولا يمكن فهم البنية الدلالية بشكل معمق إلا إذ ارتبطت بالبنى الذهنية ورؤى الطبقات الاجتماعية للعالم، والبنية الاجتماعية الاقتصادية التي تفرزها حقبة معينة. وإنتاج الفيلم في سبعينيات القرن الماضي قصد منه إظهار الانتماء للهوية الفرعونية، وإضعاف الانتماء ا لعروبي لمصر. حكاية المومياء تتكئ على واقعة كشف خبيئة تعود إلى الأسرة الحادية والعشرين، عبر التعرف على آثار مهربة، ومتابعة الخيوط لاكتشاف المخبأ ونقله إلى مديرية المتاحف، بينما يحكي الفيلم قصة وانيس وشقيقه الذي قتل بسبب رفضه تهريب الآثار وبيعها، ويرفض وانيس اقتسام الخبيئة الأثرية مع أبناء عمه، وحين يعلم سبب مقتل شقيقه يلجأ إلى إبلاغ مصلحة الآثار عن مكان الخبيئة. يستند الباحث إلى النظرية البنيوية ورموزها لبيان تسلسل الأحداث ودلالة الأقنعة والأشعار والحركات والصراعات. وبيان العلاقة بين البناء السردي والبناء الأيديولوجي، ويحلل مغزى الانقطاعات الزمنية بالنص، ولا يعد قراءته هي الوحيدة الصحيحة للتعرف على مضمونه. قدم الباحث محاولة لتحليل الفيلم السينمائي بطريقة مغايرة، دون فرض لأسلوب بعينه، وقدم فهمه لكيفية تشكل الفيلم كوسيلة تعبير، يتفاعل فيها الشكل والمضمون، وحاول كشف جوانب النص الفيلمي، والغوص في البنيات الأعمق لتشكله ومعرفة رؤى مخرجه، وعرض دراسة تطبيقية لفيلم أثار جدلاً فنياً وأيديولوجياً لما حمله من أفكار ودلالات تجعلنا محتاجين إلى اليقظة والرؤية المعمقة أثناء مقاربتنا لهذا الفن القوي التأثير في العصر الحديث. خليل البيطار النور- 378 (25/2/2009)
|