|
بقلم: النور
|
شعر المواطن بدفء الحياة، وفاضت الموسيقا الداخلية في روحه، ولم يستطع إيقاف الطاقة المغناطيسية، فسار في شارع خال من الناس تحت المطر، وأصبح كل عضو في جسمه يشتعل بلهب أزرق. وعادت ذاكرته إلى صحوتها تتجدد، ولم يعد النسيان يربكه ويوقعه في مطبات مُخجلة. واشترى صحيفته المحببة، ووضع خطاً تحت عنوان لافت للنظر عن تقرير جديد للأمم المتحدة، يبحث في شؤون السكان الأصليين. غضب المواطن وتساءل وهو يقرأ أن "الأصليين" يعيشون حتى عشرين سنة أقل من غيرهم، بسبب تحالف الفقر وسوء التغذية والأمراض المعدية، وتشكيل جبهة معادية لهم.. وجاءت الأرقام على النحو الآتي: عشرون سنة في أستراليا والنيبال، وسبع عشرة سنة في كندا، وثلاث عشرة سنة في غواتيمالا، وإحدى عشرة سنة في نيوزيلندا! ورغم أنهم حققوا شيئاً من مطالبهم في عدد من دول أمريكا اللاتينية، إلا أنهم لايزالون محرومين من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويبلغ عددهم 370 مليون شخص يتوزعون في 90 دولة، ويشكلون 5 في المئة من سكان العالم. وتشكل هذه المجتمعات أكثر من ثلث الشريحة المؤلفة من 900 مليون شخص التي تعيش في الفقر المدقع في المناطق الريفية، وتعاني العنف وسياسات الاحتواء ومصادرة الأراضي والترحيل القسري! لم يبالغ المواطن حين همس في نفسه آيات الحمد والشكر، لأنه لم يرَ الابتسامات تتزاحم على وجوه أصدقائه وجيرانه ومعارفه، ورغم ذلك اعترف أنه لا فرق بين من هم أصليون ومن هم غير أصليين في بلاده، رغم تعدد مكونات المجتمع القومية والإثنية والدينية والفكرية.. فكل المواطنين أصلاء ومتأصلون بل ومتجذرون في أعماق تربة الوطن.. وهذه نعمة من الأرض والسماء. فالمواطن محصّن ومصان، يعرف واجباته تماماً، ينفذها في الصباح والمساء وقبل النوم وفي أحلامه، ويؤمن أن له حقوقاً لم تنفذ كلها. ومن أبسط هذه الحقوق المؤجلة إلى إشعار آخر، تأمين العمل للباحثين عنه ولمستحقيه، والتقليل من شروط المسابقات، خاصة شهادات النجاح باللغة الأجنبية والمعلوماتية، وتأمين السكن الرخيص لجيل المستقبل، ومعالجة أزمة ازدحام المدن بالسيارات وتنظيف البيئة، واجتثاث "شقفة" صغيرة من الفساد.. وإلغاء الطلب من الكاتب تصوير بطاقته الشخصية، قبل أن يلقي قصته أو محاضرته أو قصيدته في المراكز الثقافية في ريف دمشق، أسوة ببقية المراكز.. وهذه الصفة المنفردة لا توجد إلا في "ثقافيات" ريف دمشق! أليس مخجلاً أن يصور الكاتب "عضو اتحاد الكتاب" هويته! ويطالب المواطن ألا تُسرق الكتب "الهدايا" المرفقة مع الصحف والمجلات؟ وعلى سبيل المثال: الكتب الشهرية "هدايا" صحيفة "البعث"، التي تُباع على الأرصفة، وهدايا صحيفة "القاهرة" الأسبوعية كذلك، وغيرها! من المسؤول؟ الموزعون أم أصحاب الأكشاك؟! ويعلن المواطن تضامنه مع الكاتب والناقد الدكتور جابر عصفور، ومع كل الكتاب والصحفيين في المنطقة العربية الذين يتعرضون للدعاوى التي يقدمها السلفيون المغرمون بمحاكمة الكلمة.. وتقف الأنظمة مكتوفة الأيدي، وتدعي أنها تشكل الدرع الذي يحمي حرية التعبير والرأي، وتواجه قوى التعصب والتطرف. فهذه القوى تجعل من الحرف جريمة، وتكسب الملايين من وراء الحسبة! وقد صدر حكم ابتدائي بتغريم جابر عصفور 50 ألف جنيه في دعوى أقامها أحد الدعاة، تتهمه بالسب والقذف.. وقبله باع الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي "عفش" بيته، ليسدد حكماً للداعية نفسه! ردد المواطن وهو يودع يومه في ليلة ماطرة: إننا بحاجة إلى غابات من بيانات التضامن للدفاع عن الكلمة، فهي كانت في البدء ولاتزال، لمواجهة الفكر السلفي المتربّص بالتقدم النور 422 (3/2/2009)
|