|
صفقة عسكرية تؤجج العلاقات الصينية - الأمريكية |
|
|
|
بقلم: د. محمد البطل
|
لا ينظر إلى إعلان أمريكا عن صفقة أسلحة متطورة وقعتها مع تايوان قبل أيام قليلة مجردة عن جملة من الخلافات والتباينات الأمريكية الصينية تجاه العديد من قضايا العلاقات الثنائية من جهة، والملاحظات حول مواقف الدولتين المختلفتين إزاء قضايا دولية من جهة ثانية. في الوقت الذي أظهرت فيه ردود الفعل الصينية على هذه الصفقة حجم الامتعاض الصيني تجاهها واتخاذ إجراءات مباشرة تمس العلاقات الثنائية، رغم التبريرات الأمريكية التي قدمها البيت الأبيض. الصفقة التي تضمنت بيع تايوان "الجزيرة المتمردة، وفق التعبير الصيني" صواريخ باتريوت ومروحيات وسفناً وتكنولوجيا عسكرية تجاوزت قيمتها 6،4 مليارات دولار، وصفت بأنها الأهم منذ أن سلمت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش شحنة أسلحة بلغت قيمتها نحو 6 مليارات دولار عام 2000. وأدت إلى قطع العلاقات العسكرية بين الصين وأمريكا.. هذه الصفقة بررتها واشنطن بأنها استكمال لصفقة سابقة موقعة بين البلدين ومن شأنها المحافظة على الأمن والاستقرار بين ضفتي مضيق فرموزا.. رغم أنها تمثل خرقاً للاتفاق الصيني- الأمريكي حول عدم توريد أسلحة أمريكية متطورة إلى تايوان مقابل تطبيع للعلاقات الثنائية بين البلدين التي استؤنفت عام 1979. أما رد الفعل الصيني فجاء سريعاً، بدءاً من استدعاء الملحق العسكري الأمريكي في بكين احتجاجاً على الصفقة، إلى تجميد العلاقات العسكرية والأمنية بين البلدين، وصولاً إلى تأجيل لقاءات عسكرية أمنية مقررة سابقاً بين الجانبين، والتلويح باتخاذ إجراءات اقتصادية تمس العلاقات الثنائية، وأرفقت هذه الإجراءات بمجموعها بمطلب ضرورة إلغاء هذه الصفقة والتراجع عنها، والامتناع عن القيام بإجراءات أمريكية أخرى تمثل استفزازاً لجمهورية الصين الشعبية، وبضمنها استقبال الرئيس الأمريكي باراك أوباما لزعيم التيبت الروحي الدالاي لاما خلال زيارته المفترضة إلى أمريكا قريباً.. هذا في الوقت الذي بررت فيه أمريكا إبرامها الصفقة بأنها استمرار لصفقة عسكرية سابقة، وأنها وإن تضمنت أسلحة متطورة فإنها دفاعية! ويشير المراقبون إلى إعلان واشنطن عن توريد صفقة أسلحة أمريكية إلى تايوان بأنها تندرج في سياق الردود الأمريكية على المواقف الصينية، وبخاصة رفض الصين فرض عقوبات "دولية" جديدة مقترحة أمريكياً على إيران، وخطاب أوباما "حال الاتحاد" الذي تضمن إشارات حول فرض إجراءات حمائية أكبر على الشركات التي تستثمر في الصين، فضلاً عن الخلاف الصيني مع عملاق الإنترنت "غوغل"، والرؤية الصينية حول كيفية معالجة تبعات الأزمة المالية الأمريكية والعالمية، وموقف الصين من حليفتها كوريا الشمالية، وتعارض مواقف الدولتين تجاه مسائل البيئة وتغير المناخ. هذا في الوقت الذي تنظر فيه الصين إلى الصفقة بوصفها خرقاً للعلاقات الثنائية الأمريكية -الصينية، وتمثل تدخلاً فجّاً في الشؤون الداخلية، وتراجعاً عن مبدأ صين واحدة، وتعرض الأمن القومي الصيني للخطر، وتضر في الوقت نفسه بالجهود الرامية إلى إعادة توحيد الصين سلمياً، ومن شأنها أن تؤجج مشاعر "الاستقلال" لدى تايوان، وتعرقل بدء العلاقات بينهما، التي بدأت إثر الانتخابات التايوانية الأخيرة. الصين الشعبية التي رفضت الصفقة وبدأت باتخاذ إجراءات عملية ضد أمريكا، واصلت انتقاداتها لإدارة الرئيس أوباما، الذي وعد خلال حملته الانتخابية بوقف تصعيد العلاقات مع الآخرين وصولاً إلى الحوار والتشاور معهم حول القضايا الخلافية، تنظر إلى هذه الصفقة، وربما ما سيليها من خطوات أمريكية أخرى بأنها وسائل ضغط على الصين بهدف ثنيها عن مواقفها وسياساتها.. وتبرز في الوقت نفسه أوراق الضغط التي تمتلكها، بدءاً من السندات المالية الصينية التي ساعدت وماتزال في عدم تدهور قيمة الدولار، وفي الإبقاء عليه عملة دولية، وإلى السوق الصينية الضخمة التي تؤثر عملياً في الاقتصاد الأمريكي، مروراً باعتمادها لغة "الوساطة" في حل الإشكاليات الأمريكية مع الدول الأخرى، وبخاصة ملفَّيْ إيران وكوريا الديمقراطية، فضلاً عن آليات التنافس غير المعلن بين أمريكا والصين حول استيراد مصادر الطاقة "نفط وغاز" من الدول المصدّرة، والاستثمارات الصينية الضخمة في هذا القطاع في القارة الإفريقية التي باتت تشكل منافساً قوياً للنفوذ والأطماع الأمريكية في القارة السمراء. هذه الملاحظات والخلافات في قضايا عدة ثنائية ودولية، تشير إلى أنها تتجاوز أمريكياً صفقة عسكرية، على أهميتها، وتظهر ثبات المواقف الصينية في قضايا الخلاف المذكور، وتؤشر إلى أن الأمور لن تحلّ بجرّة قلم، إنما هي آخذة بالتفاعل، والأرجح أنها ستمس مجموع عناصر العلاقات الثنائية والدولية بين البلدين.د. محمد البطل النور 422 (3/2/2009)
|