|
الجولة الثانية: أتمنى ألا أموت! |
|
|
|
بقلم: بوب هيربرت
|
إذا أردتَ عن بُعد أن تشعرَ ولو قليلاً بأهوال الحربين الدائرتين على أرض أفغانستان والعراق, فما عليك إلا أن تتناول كتاباً يحوي صوراً ملونة عنوانه (الجولة الثانية: أتمنى أن لا أموت!). إنه كتابٌ مرعب, تقشعرُ الأبدان من محتوياته.
يلاحظ منذ مدة أن معظم الأمريكيين قد أبعدوا هذين النزاعين العبثيين المقيتين عن تفكيرهم على نحو مناسب ومريح. وانصرفوا للاهتمام كلياً بأخبار الاقتصاد المنهار والمصارف المفلسة ومعدلات البطالة وقضية الرعاية الصحية و غيرها من المواضيع ذات الاهتمام المحلي. فلم يعد أحد يرغب في التفكير بالشباب الصغار الذين تتشوه وجوههم وتتقطع أطرافهم. ولم يعد أحد يكترث بالأهالي القلقين الذين يعانقون أبناءهم وأزواجهم عناقاً أخيراً قبل التوجه لخوض جولة ثالثة أو رابعة من المعارك في أفغانستان والعراق. أعد الكتاب المصور الأمريكي بيتر فان اغتميل، الذي أمضى وقتاً طويلاً يتبع القوات الأمريكية في كلتا الدولتين. إحدى الصور في الكتاب تعرض ضابطاً أمريكياً برتبة نقيب يقف منهك القوى, وحيداً على أرضية مضرّجة بالدماء في مستشفى ببغداد. أظهر المصور فان اغتميل إحساساً مرهفاً, واهتماماً بالغاً بالعبء النفسي الثقيل الملقى على كاهل الطاقم الطبي، فكتب معلقاً على الصورة: (كان مزاجهم كئيباً, وكانت تعابيرهم لدى معالجة المرضى خالية من المشاعر, بعيدة عن التأثر بمثل هذه المآسي في أغلب الأحيان. أسوأ الإصابات أُطلق عليها أسماء مستعارة؛ فالجندي الذي أذابته النار الناجمة عن انفجار قنبلة (إيه. إي. دي.) أطلق عليه اسم (الرجل اللزج). لكن إصابات معينة تجعلك تدرك فظائع الحرب، خاصةً النساء والأطفال الجرحى. البعض لجأ إلى المسكنات والأدوية المخدرة. ربما كان للحرب في أفغانستان ذات يوم معنى, لكنها الآن لم تعد كذلك. أما الحرب في العراق فلم تكن في يومٍ من الأيام منطقية, أو ذات معنى. ورغم ذلك، ومع تحول اهتمام معظم البلد بشكل تام إلى مواضيع أخرى, فإننا ما نزال نجهّز الجنود ومشاة البحرية, ونضعهم في الطائرات, ونرسلهم في مخاطرة كبيرة، (الحياة أو الموت) فيها مسألة حظ. (جولة ثانية؟!.. أرجو ألا أموت؟!).. بل لعلنا الآن نخوض تلك الحرب في جولتها الثالثة, أو الرابعة أو الخامسة. استوحى الكاتب عنوان كتابه من كلماتٍ كُتبتْ على جدار إحدى القواعد الجوية الأمريكية في إحدى الدول المجاورة للعراق, والتي كانت واحدة من نقاط العبور التي يمر بها الجنود الأمريكيون المتوجهون إلى العراق. تقول تلك الكلمات: (على الشباب الأمريكي المقاتل، رجالاً ونساءً، أداء جولات متعددة لأن الأغلبية الساحقة من الشعب الأمريكي لا تريد المشاركة بأيٍّ من حروب الدولة). لا يريدون تأدية الخدمة، ولا تقديم أي تضحيات في الجبهة الداخلية - لا يريدون حتى دفع الضرائب لزيادة حجم الأموال اللازمة للإنفاق على الحروب. فهم فقط مستعدون لدفع المزيد من التريليونات لسد العجز المالي الذي يمتد على مد النظر. جل اهتمامنا بحربَيْ أفغانستان والعراق لا يتعدى حدود قيامنا بالتأشير بأصابعنا إلى المتطوعين والجنود الذاهبين إلى المشاركة في القتال, ثم القول لهم: (عظيم. اذهبوا، وإذا عدتم مشوهين أو قتلى فسوف نرحب بكم كأبطال). ثم ما الذي نرسلهم إليه؟ ثمة صورة للرقيب سبروفتسوف, وهو من مدينة (فلينت) بولاية (ميتشيجان), يتمدد مستيقظاً على سريره في نقطة دورية في أفغانستان. يبدو رجلاً صلباً في الصورة، ولكنه أيضاً يبدو قلقاً. يقول التعليق المكتوب تحت الصورة: (خلال جولته الثالثة، كان هناك لتقديم المشورة لفصيل محلي في الجيش الأفغاني. نادراً ما أراد الجنود الأفغان الخروج في دوريات حراسة، مفضلين مشاهدة أفلام (الدي. في. دي.), وتدخين الحشيش. كان (التايتانيك) فيلمهم المفضل. في عدد سابق أبرزت صحيفة (النيويورك تايمز) العنوان التالي: (يخوض مشاة البحرية الأمريكية المعارك في أفغانستان بمساعدة محدودة من الأفغان). يمكن استخلاص فكرة واضحة عن عزوف الشعب الأمريكي المثير للشفقة عن المشاركة في تضحيات هذه الحروب، من الكلام الذي قاله الرئيس أوباما خلال حديثه الأخير في (فينكس), أمام منظمة المحاربين القدامى الذين انخرطوا في حروبٍ خارج الولايات المتحدة, إذ قال: (نحن دولة تتكون من أكثر من 300 مليون أمريكي، نسبة تقل عن واحد بالمئة منهم ترتدي البزة العسكرية). لم يكن الرئيس يوبخ أولئك الذين لم يؤدوا الخدمة، بل كان فقط يقصد امتداح من قاموا بتأديتها. ولكن فكرة أن قلة قليلة جداً ترغب في تأدية الخدمة العسكرية في وقت تخوض فيه الأمة حربين طويلتين هي سبب لتوجيه إدانة قوية للمجتمع. لو كان لدينا تجنيد إلزامي - أو حتى تهديد بالخدمة العسكرية الإجبارية - لما كنا في العراق أو أفغانستان. ولكن ليس لدينا تجنيد إلزامي، لذا من الآمن بالنسبة لمعظم الشعب الأمريكي أن يتجاهل موضوع شن الحروب, وتقديم التضحيات. إذ إن أبناء الآخرين هم من يذهبون إلى المذبحة. إذا وجدت نفسك في حفرة, فلا تحفر أكثر. ونحن, عوضاً عن تخفيف ورطتنا في أفغانستان، نقوم بزيادتها.بوب هيربرت، كاتب أمريكي مخضرم، صاحب عمود في صحيفة (نيويورك تايمز) منذ عام 1993 عن (OpEdNews)ترجمة: عادل بدر سليمان النور 422 (3/2/2009)
|