|
الفريق الاقتصادي: أين الحقيقة في التشاركية؟ |
|
|
|
بقلم: رشا سيروب
|
يخالجني شعور لا يوصف (لدرجة سوئه طبعاً) عندما أسمع تصريحات الفريق الاقتصادي التي تتحدث دائماً عن تطور وتحسن المؤشرات الاقتصادية، وعندما أسمع أو أقرأ مقترحات وتوصيات حول كيف يجب أن يُدار اقتصادنا؟ يعدّ الإنفاق العام (بشقيه الجاري والاستثماري) من أهم الأدوات والوسائل التي تؤثر تأثيراً مباشراً وغير مباشر في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وقد مرّ الاقتصاد السوري في جملة من التحولات الاستراتيجية ذات التوجه الاشتراكي (خلال الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي). إذ كانت الدولة تتحمل العبء الرئيسي وتلعب دوراً قيادياً في الاقتصاد والحياة الاجتماعية، حتى في ظل شعار التعددية الاقتصادية الذي طُرح مع بداية الحركة التصحيحية في السبعينيات من القرن الماضي، كانت الدولة مالكة لأغلب وسائل الإنتاج ومتحكمة في علاقات الإنتاج ومدبِّرة لأغلب الأنشطة الاقتصادية ومحتكرة للعديد من مجالات النشاط والمعاملات والخدمات والمرافق العامة، ثم تحولت إلى سياسة الإصلاح الاقتصادي التي تستمد روحها وفكرها من اقتصاد السوق والنظام الرأسمالي، فتراجع النشاط الاقتصادي العام ابتداءً من التسعينيات وأُطلق العنان للقطاع الخاص بوتيرة متسارعة ليتسلم زمام الأمور ولتصبح آليات السوق هي المرشد والموجه الرئيس لإدارة الاقتصاد الوطني (مهما قيل إننا نطبِّق اقتصاد السوق الاجتماعي). سابقاً، عندما كان اقتصادنا ذا توجه اشتراكي (تعددي)، كانت الدولة تدعو القطاع الخاص دوماً للمشاركة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأن يساعد في مجالات الاستثمار في البنى التحتية (كهرباء- مياه- طرق ـ جسور...)، ولكن الجواب دائماً: أن القطاع الخاص يسعى إلى الربحية السريعة ويأبى أن يستثمر في مجالات بحاجة إلى رساميل ضخمة لا يُسترد الرأسمال فيها إلا على المدى الطويل. فما الذي حصل الآن؟! كثر الحديث خلال الفترة الأخيرة حول ما يُعرف بتشاركية القطاع العام والخاص PPP (Public Private Partnership)، ولقد احتدم نقاش حامٍ حول الحكمة من فتح الباب أمام دخول القطاع الخاص إلى ميدان استثماري يتعلق بالبنية التحتية، التي هي من دعائم وركائز الأمن القومي (المتمثلة بالكهرباء، المياه، طرق وجسور، وكل ما له علاقة بمشاريع البنية التحتية). فما هو هذا المشروع الذي يُنادَى به، أو بالأحرى ينادي به الفريق الاقتصادي، بدعم وتشجيع من الشركات العالمية والمؤسسات الخارجية؟ وهل هذا المشروع يمكن أن نعقد عليه الآمال في تمويل ودفع عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية؟ وما هي المبررات والحجج للجوء إليه في هذا الوقت بالذات؟ وفقاً لمشروع الوثيقة الوطنية الصادرة عن رئاسة مجلس الوزراء فإن تشاركية القطاع العام والخاص (PPP) تُعرَّف بأنها: (عقود طويلة الأجل بين القطاعين العام والخاص الهدف منها ضمان تقديم الخدمات العامة (كلياً أو جزئياً) وإنشاء البنية التحتية الجيدة في الوقت المناسب وبأقل كلفة، عن طريق الاستفادة من كفاءة القطاع الخاص وإمكاناته المالية وخبراته مع نقل جزء من المخاطر إليه). إذن.... دعونا نناقش بهدوء المبررات التي تطرح في إطار الترويج للتشاركية:تخفيف الأعباء التمويلية عن الموازنة العامة للدولة: الذريعة دائماً أن إيرادات الدولة لا تكفي للقيام بالعملية الاقتصادية، وأن هناك عجزاً في الموازنة. إذا افترضنا أن هذا هو السبب الأساسي في طرح التشاركية، فإننا سنقف أمام إحدى تناقضات بيانات الحكومة؛ فالبيان المالي للحكومة حول مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2010 يقول حول العجز ما يلي: (وفي موضوع العجز الفعلي على الموازنة العامة للدولة خلال أعوام 2006، 2007، 2008 فإننا نؤكد أن نسب العجز الفعلي ما تزال منضبطة ودون حاجز الـ /3%/ من الناتج المحلي الإجمالي (الذي قدره المكتب المركزي للإحصاء). ولم يصل العجز الفعلي كرقم نهائي إلى مبلغ الـ /50/ مليار ليرة سورية خلال كل سنة من السنوات الثلاثة الأولى من الخطة الخمسية العاشرة...). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكن القول إنه يوجد فعلاً عجز في الإيرادات العامة من أجل الوفاء باحتياجات تمويل التنمية. ولكن لماذا لا تستطيع الإيرادات العامة أن تفي بالتزامات التنمية؟ الجواب هو: أن أهم بنود الإيرادات (أي الضرائب) لا تتفق مع ما يجب أن يقدمه القطاع الخاص، بعد أن خُفِّضت الضرائب على الدخل والثروة؛ ففي حين يُسهم القطاع الخاص بأكثر من 65% من الناتج المحلي الإجمالي فإنه لا يقدم للخزينة سوى نحو 7% من الناتج الإجمالي كضرائب على الدخل والثروة. من جهة أخرى، فإن الحكومة يمكنها طرح سندات الخزينة، وبالتالي تحصل على التمويل الذي تحتاجه من عامة الشعب (ليس من قلة الشعب)، والدليل على قدرة الشعب على المساهمة في سندات الخزينة تقدمه لنا حسابات المسح النقدي حسب النشرة الربعية 3-4 لعام 2008 والنشرة الربعية 2 شهر حزيران 2009:| الودائع للقطاع الخاص المقيم (مليار ل.س) | | | 2006 | 2007 | 2008 | 2009 (لغاية حزيران) | | الودائع لأَجَل بالليرة السورية | 113.3 | 160.6 | 222 | 249.8 | | الودائع لأَجَل بالقطع الأجنبي | 107 | 136.5 | 151.8 | 158 | | إجمالي الودائع لأجل | 220.3 | 297.1 | 373.8 | 407.8 | | الودائع تحت الطلب | 105.8 | 138.7 | 162 | 174 | | إجمالي الودائع | 326 | 435.8 | 536 | 582 | | اعتمادات الإنفاق الاستثماري | 195 | 258 | 230 | 275 |
من الجدول أعلاه نجد أن هناك أموالاً ضخمة جداً مجمدة في المصارف... والسؤال هنا: لماذا لا تُوجه للاستثمار؟ وإذا ما قارنا حجم الودائع مع الاعتمادات المرصودة في الموازنة العامة للإنفاق الاستثماري نلاحظ أن حجم الودائع يزيد كثيراً عن الاعتمادات المرصودة للإنفاق. إذاً نعود لطرح السؤال: لماذا هذا التأخير في إصدار سندات الخزينة؟! ولكن إصدار سندات الخزينة يجب أن تكون مشروطة ومحكومة بعدد من المعايير التي تضمن حسن الاستخدام وتحقيق معدلات للنمو والتنمية، فضلاً عن القدرة على الوفاء بالتزامات الدين في المستقبل، أهمها: ضمان عدم توجيه تلك الأموال لأغراض غير أغراض التنمية (موجهة للإنفاق الاستثماري وليس الجاري). استثمار هذه الأموال في مشروعات استثمارية لها عائد اقتصادي واجتماعي مع القدرة على سداد قروضها في فترة زمنية تتناسب مع تاريخ استحقاق السندات.الاستفادة من كفاءة القطاع الخاص، وهي الذريعة التي طالما سمعناها من الفريق الاقتصادي تبريراً للجوء إلى صيغة (التشاركية). وإذا قبلنا جدلاً بهذا الكلام، فلماذا لم نقم بدراسة إدارة القطاع الخاص فضلاً عن دراسة أسباب ومشاكل إدارة القطاع العام، علماً أن القطاع الخاص يفضل أن يسلم إدارته لمديرين سابقين في القطاع العام...إذ نجد أن أكثر الخبرات والكفاءات استُدرجت من القطاع العام إلى القطاع الخاص، إذاً أين هي المشكلة؟.. ومهما قيل إن البيروقراطية تؤخر العمل، وإن القطاع الخاص لديه ديناميكية أسرع.... فلماذا لا نطبق ذلك على قطاعنا العام ونعطي صلاحيات أكبر للمديرين العامين، وبالمقابل نحاسبهم أكثر في حال التقصير....ثم أين مشروع إصلاح القطاع العام؟ لكن في الواقع إننا نواجه مشكلة كبيرة تتمثّل في الانتقال من الوعود والأحلام الكبيرة إلى التنفيذ وتحقيق النتائج المرجوّة، وإحداث تطور حقيقي في الاقتصاد السوري وحياة المواطن السوري. فالناس يرغبون في النجاح ومواكبة التطور، ولكن هذه الأمنيات لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود حكومة قادرة على الوفاء بالتزاماتها وأقوالها وتحقيق التقدم الاقتصادي، وهذا يتطلب مزيجاً من المؤسسات والهيئات المتسمة بالشفافية والخاضعة للمساءلة، والمهارات والقدرات القوية، والرغبة الجوهرية في فعل ما هو صحيح. وإذا كان مشروع PPP نتيجة ضغوط دولية ومحلية في اتجاه تسريع العمل وفق هذا المشروع أو ذاك، فلابد من وضع ضوابط أساسية، من أهمها مراعاة اعتبارات الأمن القومي، على فرض أن المرافق الحيوية والبنى التحتية ذات طابع استراتيجي، يتعلق بالأمن القومي، وخاصة في المشروعات المتعلقة بالمرافئ والمطارات والطاقة. للأسف لا توجد شفافية في النقاشات الدائرة والتصريحات الرسمية حول هذا الموضوع المصيري المهم، ومازلنا نتذكر ما حصل قبل سنوات قليلة في الولايات المتحدة، عندما حاولت شركة إماراتية إدارة مرفأ أمريكي، فقد ضغط الكونغرس الأمريكي من أجل إبعاد تلك الشركة بحجة الأمن القومي، فكيف نثق بتولّي شركة أجنبية إدارة، أو المشاركة في إدارة، مرفأ أو مطار دولي، في ظروف سياسية وأمنية كالظروف التي تمر بها سورية، وهي لا تزال في حالة حرب مع العدو ولا يزال جزء من أراضيها محتلاً. لكن هناك سؤال يطرح نفسه بشدة؛ وهو سؤال هام جداً: لماذا عندما نتحدث عن الرأسمال نقول الظروف العالمية تفترض التغيير والتطوير في النظر إلى الرأسمال الخاص.... وأن الظروف الداخلية صعبة ويجب أن نعطي تسهيلات للرأسمال الخاص... ولكن لم نسمع أنه يجب أن نعطي عنصر العمل تسهيلات أكثر (علماً أن العمل والرأسمال هما من عناصر الإنتاج).. لماذا لا يعامل عنصر العمل بالطريقة نفسها.. نعطي تسهيلات للرأسمال بسبب الأزمة، بالمقابل يجب أن نحسن ظروف العمل ونرفع الأجور بسبب التضخم... نعدل قانون العمل حفاظاً على حقوق العمال... لكننا لو تأملنا قليلاً فيما يحدث وما سوف يحدث... لاستنتجنا أن وضعنا في تدهور، لذلك فإن نقطة البدء الصحيحة هي تحديد الرؤية المستقبلية البعيدة المدى وذات الأفق الاستراتيجي الواضح، والخروج من إطار النظرة القصيرة المدى، والعيش يوماً بيوم، حتى لا يصبح مستقبلنا قدراً مفروضاً علينا. لذلك لا بد لنا أن نعرف منذ البداية ما هو موقعنا المنشود على خريطة التنمية والتطور لفترة زمنية أطول قد تصل إلى عام 2030، لنتمكن من وضع السياسات القصيرة الأجل التي تخاطب المشكلات الراهنة دون أن تصبح السياسات الاقتصادية (سواء كانت نقدية، أو مالية، أو استثمارية، أو ادخارية......) رهينة لتحقيق النفع الخاص دون أن تجلب النفع العام، إنها تظل سياسات للتنشيط الاقتصادي لفئات محدودة وليست للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة. إذاً لا بد من فهم للواقع الحالي (الأجل القصير)، ومن ثم وضع مؤشرات على المدى المتوسط، وذلك من خلال دراسة البعد الاستراتيجي ووضع رؤية مستقبلية بعيدة المدى. ما الحل؟ على ما أعتقد ما دام مفهوم القطاع الخاص هو الربح السريع والسريع جداً، وما دامت خطط فريقنا الاقتصادي قصيرة الأمد، أو بالأحرى مجرد محاولة لحل أزمة راهنة... فلن نتطور ولن تُحل مشاكلنا.. بل سنعالج الأزمة الحالية مقابل خلق أزمات أخرى أكثر تعقيداً وأشد ضرراً للمواطن السوري. إن إشكالية القطاع العام والقطاع الخاص هي طرح سطحي وشكلي لجوهر المشكلة، لأن القطاعين يجب أن يُعاملا ويُنظر إليهما على أنهما قطاعان وطنيان، وإذا عوملا على غير ذلك فإن كلا القطاعين العام والخاص سيفسدان وتضعُف كفاءتهما في ظل بيئة راكدة ومتخلفة وغير محفزة للنمو والتنمية. للأسف فريقنا الاقتصادي يتسم بالراهنية ويهتم بقضايا الأجل القصير في الاقتصاد (وعلى نحو أدق يهتم بحل القضايا الراهنة فقط)، التي ينتج عنها أزمات من نوع آخر... وذلك من خلال التركيز على سلسلة من الإجراءات والسياسات الإصلاحية التي تهتم بحل أزمة حالية أو معضلة راهنة دون أن يحكمها أفق استراتيجي حول كيفية النهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والتنمية المستدامة، رغم وضع خطابه الاقتصادي في إطار خطة خمسية عاشرة أو حادية عشرة. يجب أن يكون قطاعنا الخاص قطاعاً وطنياً بالدرجة الأولى، يفكر بالربح المعتدل والاجتماعي (أقصد بالربح الاجتماعي أن يحقق ربحاً معقولاً مقابل ضمان استمرار دخل مناسب للعمال بما يضمن استمرار العمل والحركة الاقتصادية). والمطلوب رؤية مستقبلية لسيناريوهات التطورات المتوقعة وتحديات العصر، وتعزيز دور قوي للدولة في رسم السياسات المستقبلية البعيدة المدى التي تعجز آليات السوق عن حلها حلاً مرضياً. وفي الوقت ذاته فإننا بحاجة إلى مقارنة التخطيط مع التنفيذ ومعرفة السبب في التأخير، وفي انحراف التنفيذ عن الخطة لتدارك ذلك في الوقت المناسب، وقبل استفحال الانحرافات والأخطاء. ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى إجراء مراجعة للسياسات الاقتصادية والمالية للتأكد مما حققته هذه السياسات على أرض الواقع، والوقوف على معاناة غالبية الشعب من انعكاس هذه السياسات على حالتهم المعاشية.رشا سيروب النور 422 (3/2/2009)
|