|
بين القصيدية والفعل الإبداعي |
|
|
|
بقلم: إسماعيل كرك
|
يقول رومان ياكوبسون في هجومه المنظم على مفهوم القصيدة: (القصيدية ليست إجبارية للفعل الإبداعي)، الشيء الذي نسف أحد تعريفات القصيدة الشعرية اللافتة للنظر، وهو الذي يقول: (إن القصيدة الشعرية هي تعبير عن رؤيا الشاعر). وربما تكون مقولة إن (القصيدة الشعرية هي رؤيا الشاعر) أقل دقة ولامسؤولية، لأنه إذا كانت القصيدة رؤيا، فإنه (يمكن عندئذٍ لكل إنسان أن يكون شاعرًا) على رأي: - أندريه بروتون في البيان السريالي، الذي وصل في تطرُّفه ذاك (أي بروتون) إلى القول: (أيُّ فضل للشاعر الذي يدوِّن ما يُمْليه لاوعيُه؟). - حجة (اللاوعي) الفرويدية، التي تقمَّصتْ معظم المبدعين، الذين عاصروا تلك الفترة. وهذا بحد ذاته منافٍ للحقيقة، إذ ليس جميع الناس شعراء، رغم موافقتنا على أن الأفكار الإبداعية ليست حكرًا على حفنة من (الإبداعيين الثابتين)، حسبما أورد هافال يوسف في إحدى مقالاته. ونتذكر هنا ما قاله أحد الدراويش للشاعر المتصوف جلال الدين الرومي عندما قذف بكتاب كان يقرأ به جلال الدين في النهر، فاستشاط لذلك غضباً، ثم ما لبث الدرويش أن التقط الكتاب من الماء (غير مبتل)، وسلمه لجلال الدين قائلاً: (تعلَّمْ علماً لا يمحوه الماء). هنا يمكن تأكيد فضاء أوسع لمكنونات الإنسان وأبعاد تفكيره، بأنها طاقة إنسانية طبيعية عابرة للحدود. وإنه لحريٌّ بمن يدّعون الفعل الإبداعي أن يعرفوا أنّ من المهم بمكان تحليل بنية الكتابة الإبداعية بعد التزايد المطرد للدراسات والبحوث، التي ما فتئت تفرِّخ الكثير من النظريات والمنظرين، وتفرج عن مكنونات (بطعم ودون طعم) تختزنها الذاكرة الجمعية لصيصان الجمعية، الذين وصفوا الشمس عندما نظروا إلى أجنحتهم، وصفقوا بها ولها مثيرين غباراً وروائح. على المصنفين والمنصفين والمحكمين الاعتراف بأن حالة الإبداع متوفرة أيضاً لدى غير المشهورين، وفي بعض الأحيان لدى العامة. ولمناقشة هذه الفكرة لا بد من لفت النظر إلى حقيقة أن القصيدة ذات الرأس واليدين والرجلين قد تحولت، وبما لا يقبل اللبس، إلى طوطم يعبد نفسه، ويفرض على الكاتب الخضوع للكتاب المشهورين وعرّابيّ النقد ومن يدّعون أنهم يقرؤون بين السطور وخلفها، بل الأبعد من ذلك أن معظم المبدعين كانوا وما زالوا مشغولين بالتزلف للقارئ والخضوع لرغباته والانسجام مع توقعاته. يقول الناقد الفرنسي رولان بارت في كتابه الشهير لذة النص: (إن التعطش إلى المعرفة يدفع بنا إلى أن نخلق بعض الفقرات أو نتجاوزها، تلك الفقرات التي نحس بأنها مملة، كي نصل بسرعة إلى مواقع الطرفة المحرقة). إذاً كيف لنا أن نتجاوز الفعل الإبداعي، ونتحدث عن نصوص مؤطرة منتسبة إلى منظومات وضعية (قصيدة موزونة بنظام الشطرين، قصيدة تفعيلة، شعر حر، قصيدة النثر، الشعر المنثور، النثر الغني، الخاطرة الشعرية، النص المفتوح، الشعر بالنثر، النثر بالشعر، النثيرة، النثر الشعري... إلخ)؟ هل لأن تنظيم الحالة الإبداعية يقودنا إلى توازن اجتماعي وثقافي، ويدخلنا في حالة ديجيتالية تسليمية لا تقبل الشك أو التأويل، أم أن الدخول في فخ العولمة سيجعلنا ننشغل بحادثة البيضة، فنستحضر بعد ذلك كريستوف كولومبوس، ليوقف الكتابة الإبداعية على أحد رأسيها بعد أن يكسرها، ويدعي أنه أول من نفذ هذه الفكرة المستحيلة؟ إن الفعل الإبداعي هو قراءة سيميائية للواقع للبحث في العلامات والإشارات والرموز والأيقونات والخروج بحلول وصور جديدة للقارئ، الذي يجب ألا يجري التزلف له وتسوُّل تصفيقه ومجاملاته المجانية، بل لا بد من فتح آفاق أكثر لامتداداته الإنسانية لا تشميع هذه الامتدادات بالأحمر، فهل تمت ترجمة الفعل الإبداعي حقاً إلى اللغة العربية؟ يجيب عن ذلك يوسف بزي في مقالته (إبليس الحداثة)، التي يعبّر من خلالها عن عدم تأكده من ترجمة الفعل الإبداعي، في كثير من الأحيان، إلى اللغة العربية إذ يقول: (ظلت هذه الفكرة الجهنمية ممنوعة من التداول في مكاننا وبين ناسنا، وعلى هذا المنوال ما زال عالمنا القديم يقاوم بشراسة، مستحضراً كل إرثه وطاقته، مانعاً جرثومة الحداثة من التغلغل جدياً في خلايا العقل العربي)، مجلة الناقد - العدد الحادي والثمانون - 1995. نعم، لقد وسع الفعل الإبداعي في محاولاته المستمرة عبر العصور ضيق المسافة بين الناس والبهائم، وأعطى التجارب الإنسانية أبعاداً وعمقاً أنتجت هي أيضاً طاقة إنسانية خلاقة لا تُلمّع أعمالاً فنية قديمة أو تعيد اجترارها، بل تسرق النار من المعبد الأدبي وتقول للقصيدية: آن لنا أن نترجم فعلنا الإبداعي إلى العربية.إسماعيل كرك النور 422 (3/2/2009)
|