|
الأمسيات الأدبية واللغة..! |
|
|
|
بقلم: د. ثائر عز الدين
|
ما كنتُ أحسب أن أتحدث في هذا الموضوع: لأننا أكثرْنا من تداوله في جلساتنا المختلفة في اتحاد الكتاب العرب، والمنتديات المختلفة ووزارة الثقافة، لكن كما قالت العرب: (بلغ السيل الزُبى) و(تجاوزَ الحزامُ الطبيين)، وطمع بالأدب من لا يدفع عن نفسه، ومن لا يستطيع صوغ جملة سليمة. لكأن الكثيرين ممن يتصدَّوْن اليوم لفعل الكتابة الإبداعية، ولقراءة نصوصهم على المنابر يتناسَوْن، أو يجهلون تماماً أن رأسمالهم الأول هو لغتهم، لا ملابسهم ولا جمال عيونهم ولا سوى ذلك. اللغة، وليس أي لغة! بل اللغة التي ينبغي أن تكون سليمة، لا لحنَ فيها ولا اعوجاج ولا ركاكة ولا سقم، ولا ضعة! وهذا أمر يفترض أن يكون بديهياً، قبل أن نتحدث عن حسن استخدام هذه اللغة وتوظيفها جمالياً، وإبداع أساليب جديدة فيها وتطويرها وما إلى ذلك، مما يفترض أن يشكل همّ المبدع الأول. والطريف أن فئة من هؤلاء الناس يظنون أن تحطيم قواعد اللغة وإملائها وعلامات ترقيمها دون دراية بهذه النظم كلها هو ضرب من التجديد، جاهلين تماماً أن شعراء كالسيّاب وعبد الصبور وأدونيس ودرويش ما كان لهم أن يجددوا لولا معرفتهم العميقة بلغتهم، لولا قبضهم على روح اللغة وجسدها معاً. تصوروا مثلاً أن محمود درويش يرفع الاسم بعد (سوى) ويجره بعد (لولا)، وأن السياب لا يميز بين الأفعال الخمسة والأسماء الخمسة، ولا يفرق بين أخوات كان وأخوات إن حتى ولو رفع النقاب عن وجوههن، وتخيلوا مثلاً أن أدونيس لا يحفظ شيئاً من الشعر العربي القديم، ولا يميز البسيط من الهزج وما إلى ذلك. والمصيبة أكبر عند نفر ممن يتصدَّوْن اليوم لكتابة القصة القصيرة والرواية، فهؤلاء لا يرون أية صلة قربى بين امتلاكهم أداة الكتابة الأولى واللغة (الجيدة)، والإبداع في القص؟ على النقيض تماماً! هم يفهمون أن المبدع كلما كان عميق المعرفة بلغته وأسرارها، أعاقه ذلك عن الإبداع في أساليب السرد وتقاناته. ولدفع هذا الرأي علينا أن نقرأ حيدر حيدر، أو حنا مينه، أو الطيب صالح أو نجيب محفوظ، أو نبيل سليمان، أو غالب هلسا، أو هاني الراهب أو ممدوح عزام. والطريف في الأمر أن هذه الفئة من الناس بدأت تدفع بجمهور الأدب خارج قاعات الأمسيات والندوات خوف إفساد الذائقة، أو تخريب الأذن! أنا بالتأكيد لست أكثر حرصاً من الكثيرين على اللغة، ولا سيما أنني مهندس، وما تخرّجت في كلية الآداب ـ قسم اللغة العربية، ولا أعني بالتأكيد اللغة، بوصفها نظام قواعد، نحواً وصرفاً وسوى ذلك، بل ما هو أعم وأشمل. ومع كل ذلك فإن جاز لي ولأمثالي أن نرجو من هؤلاء الناس شيئاً، فإنما نتمنى عليهم أن يعودوا إلى أنفسهم، إلى نصوصهم، محاكمين، مقوّمين، مصوّبين، وأن يتعاملوا مع مسألة الكتابة الإبداعية بكثير من الأناة والحرص والحذر، وأن يعودوا إلى كتب اللغة المختلفة إن لمسوا في لغتهم خللاً أو ضعفاً، وأن يرجعوا إلى منابع اللغة العربية (الشعر العربي القديم والقرآن الكريم وكتب النثر العربية الأولى..) إن أحسّوا نضوباً في لغتهم، وأن يضبطوا نصوصهم جيداً قبل اعتلاء المنابر، وإلا فلن تفيدهم عضوية اتحاد الكتاب العرب، أو رابطة الكتاب أو مناصبهم المختلفة أو سوى ذلك، فإن لم يتمكنوا، فليتركوا هذا المجال لمن هم أهل له، وفي الدنيا أبواب كثيرة للشهرة والرزق، أهم بكثير من باب الإبداع الأدبي. د. ثائر عز الدين النور 422 (3/2/2009)
|