|
مازاوات صحفي: مقدار أم نمر |
|
|
|
بقلم: حسني هلال
|
شرع (راشد) بالحديث ـ على غير عادته ـ فور جلوسه، كأن شيئاً ما يثقل صدره، ولم يعد له طاقة على احتماله، قال: هيّأت نفسي يا صديقي، وأخذت بزمام أعصابي، فلا بد أنه أمر هام. ذاك الذي استخلصتني (سامية) لتبوح لي به، دون سائر أهلها وأصدقائها! فبعد أخذ ورد ـ يتابع راشد ـ وإقدام وإحجام، وتكرار اعتذارها عن إشغالي بشؤونها الخاصة، وتحميلي هموماً فوق ما بي من هموم. بدأت قصتها قائلة: رغم أني، كما تعلم، أمضيت حياتي أبتعد ما استطعتُ عن (القيل والقال) وأكره الثرثرة وسامعيها، حتى جمعات القهوة الحلوة الحلوة والمتة، التي اعتادتها نساء الحي، أمقتها ولا أشارك فيها لمعرفتي مسبقاً كيف تبدأ بالمداهنة والزعبرة والعواطف الكاذبة، وتنتهي بالافتراء والنم والفساد على الآخرين. ومع ذلك ـ تؤكد سامية ـ لم أسلم. تصور أن أوسخ موظفات مؤسستنا، كي لا أقول كلمة أخرى، من ُسمعتُها بين الناس (كذا) ورائحتها (كذا) تصل مواصيلها أن تشيع عني وسط الزميلات، أنني أتعامل بالرشوة ومرتبطة بكبار (الواصلين) و.. و.. إلخ. يعني بالمختصر (المشبرح) شلحت ثيابها النتنة النجسة وألبستني إياها! ثم تسكت سامية فجأة، قبل أن تذرف من مقلتيها دمعات ما استطاعت زجرها، دمعاتها تلك يا صديقي أرجعتني خمسين سنة للوراء. حين كانت دمعات مشابهة تسقط من عيني أمي. وراح راشد يتذكر: كنا صغاراً، وكانت هناك (طروش) من أبقار وماعز وأغنام. وكانت النساء في قريتنا يتقارضن الحليب. كل أسبوع يجمعنه عند واحدة. ولما لم تكن الأوزان والمكاييل منتشرة ومعروفة في الأرياف بعد، فقد اعتادت النسوة أن يكلن الحليب في سطول صغيرة من علب سمنة المعامل المعروفة الحجم. وما يزيد عن السطل، يقدرنه بـ (المقدار) وهو قطعة خشب تشبه المسطرة، مقسمة عرضياً بوساطة الحرق إلى خطوط متساوية ومتوازية، تدعى الواحدة منها (فرضة) وفي المنتصف بين الفرضة والفرضة نقطة تدعى (نُقط). كل واحدة من الحلابات، تسجل بالطبشورة، إن وجدت، أو بحجر حوار، في مكان ما على باب صاحبة البيت مقدار ما سلّفتها من حليب، كي تعود وتستوفيه لما يحين دورها. (فدوى) على سبيل المثال ـ سطل وفرضتان ونقط. يعني تصوّر فدوى سطلاً وتخط إلى جانبه شخطتين عموديتين ونقطة. (زاد الخير) ـ أربعة سطول وثلاث فرضات. (ورد الشام) ـ خمسة سطول وسبع فرضات.. وهكذا. وكانت المرحومة والدتي أم نمر ـ يستأنف راشد ـ مبخونة في القرية بمقدارها الذي يضربون فيه المثلِ. إذ اعتادت، سواء عندما تستوفي ما لها من حليب، أو عندما تفي ما عليها منه، أن تجبر الكسر دوماً لصالح الحلابات الأخريات، ما أثار غيرة البعض وأغضبهن. إلى حد أن اتهمت إحداهن والدتي بالغش في كيل الحليب وخلطه بالماء. ثم نشرت الخبر بين صاحباتها، الأمر الذي سرق النوم من عيني أمي، ونكد عليها عيشها، وصوّر لها أن كل نساء القرية يشرن إليها بالأصابع. عندما لاحظ أخي نمر تغير أحوال الأم، سألها عما بها، فأخبرته بالمصيبة التي حلت بها. وقتئذٍ ما كان من أخينا نمر، الذي كانوا لشراسته وحدة طبعه يلقبونه بالمجنون، إلا أن سحب بارودة الصيد، منتصراً لأمه، وركض إلى دار تلك المرأة صاحبة الخبرية ناوياً قتلها، لولا أن القدر والموجودين هناك، حالوا بينه وبين ما نوى. حين أطلق عياراً عشوائياً، خرجت على إثره المرأة التي سرعان ما اعترفت بفبركة الشائعة وتلفيقها، على مرأى المجتمعين ومسمعهم. بعد أن جاء على لسان راشد ما جاء، وقرأت في محياه ما قرأت، مما لم يفصح عنه لسانه، ناشدته مواسياً: أن احمد الله يا صديقي، على أنه لا يزال بيننا الفاضلة سامية وسواها من أمثال المرحومة أم نمر. فهؤلاء هم عزاؤنا الأكبر فيما ينوبنا من زماننا. فاتق الله في نفسك يا صديقي وهوّن عليك. أجابني راشد وصوته ينضح قلقاً وألماً وحزناً دفيناً: أعلم أن الدنيا لا تخلو من الطيبين والشرفاء، (ولو خليت خربت) كما يقال. لكن السؤال الذي يحزّ في النفس ويشغل الفكر ويحير العقل يا صديقي: لماذا نحن في هذا العصر محرومون من الجنون؟!حسني هلال النور 422 (3/2/2009)
|