|
كتاب (الحركة الشيوعية السورية): الصعود والهبوط والعطالة التاريخية |
|
|
|
بقلم: د. محمد مصطفى ملا عثمان
|
كتاب (الحركة الشيوعية السورية -الصعود والهبوط) للمؤرخ والباحث الماركسي المعروف عبد الله حنا، والإخراج الفني للمهندس لؤي نعمة، إصدار دار نون 2008، هو مساهمة جادة في اعتماد المنهج المادي الديالكتيكي في تحليل التاريخ بعيداً عن الإرادوية والماضوية، والتناول الميتافيزيقي المألوف لبعض الشيوعيين السوريين. الكتاب غني بالوثائق، التي جمعها الدكتور حنا، إضافة إلى ما قدّمه المهندس لؤي نعمة من صور وبيانات مأخوذة من مصادرها الأصلية. وهذه الوثائق التاريخية هي أدلة دامغة وموثقة لا تترك مجالاً للشك، استمد منها المؤرخ عبد الله حنا الحقائق عند تدوينه للأحداث وتحليله لها. تكلم المؤرخ عن الرواد الأوائل ودورهم في تأسيس الحزب، أمثال المناضل النقابي فؤاد الشمالي الأمين العام للحزب في سورية ولبنان، وناصر حدة مؤسس الحزب الشيوعي في مدينة دمشق، اللذين غيبا لفترات طويلة عن تاريخ الحزب الرسمي. يتناول الكتاب صحافة الحزب، ومنها (صوت الشعب) ومؤسسها نقولا الشاوي، ففي الصفحة 44 منه، صورة للعدد الأول لجريدة صوت الشعب، ويظهر في أعلى الصفحة الأولى بشكل واضح لا لبس فيه، اسم صاحبها ورئيس تحريرها نقولا إسكندر شاوي، بتاريخ السبت في 15 أيار سنة 1937. وفي الصفحة 101 ترى صورة للعدد 689 لعام 1944، وفيها أن صاحب الجريدة المسؤول هو نقولا الشاوي، وهو عدد مكرس للمؤتمر الوطني للحزب الشيوعي. وأيضاً في الصفحة 160 صورة (لصوت الشعب) العدد الخاص بالمؤتمر الوطني المنعقد في مدينة بيروت بتاريخ 31 كانون الأول 1943 ويظهر في أعلى الصفحة 3 عنوان كبير (من خطاب الأستاذ عبد القادر إسماعيل النائب العراقي السابق)، وهكذا يعدّ عبد القادر إسماعيل أول نائب شيوعي في دنيا العرب وبشهادة جريدة (صوت الشعب)، وكان القيادي الشيوعي عبد القادر إسماعيل في عداد المدافعين الأبطال عن مكتب الحزب في عام 1947 بدمشق. وفي الصفحة 235 صورة للعدد 1507 من (صوت الشعب) 3 تشرين الأول 1947، يشاهد اسم صاحب الجريدة المسؤول نقولا الشاوي. صور (صوت الشعب) الصادرة في عام 1937 و1943 و1947 تبين من هو صاحب الجريدة ورئيس تحريرها، ويذكر نقولا شاوي أنه تقدم بطلب لإصدار جريدة صوت الشعب أوائل عام 1936، ولم ينل الموافقة إلا في أوائل 1937، وصدر العدد الأول من صوت الشعب في 15 أيار 1937 (باسم نقولا شاوي)، فهل يحتاج الأمر إلى المزيد من الوثائق؟! ومن اللافت للنظر في الصفحة 250 من الكتاب صورة لكراسين نشرا في عامَيْ 1964 و1965 لأمين الحزب آنذاك، الأول حول تطور حركة التحرر الوطني ودور الطبقة العاملة ومهمات الشيوعيين، والثاني عن سورية على الطريق الجديدة، وهذه الكراريس كانت تروج فكرياً لسياسة التطور اللارأسمالي. كما تناول المؤرخ حنا المواقف والمنعطفات في تاريخ الحزب، مثل قرار هيئة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، وموافقة الاتحاد السوفييتي عليه، وإعلان الحزب لاحقاً تأييده لقرار الاتحاد السوفييتي بشأن تقسيم فلسطين، وأدى ذلك إلى ترك الكثير من أعضائه لصفوفه في سورية ولبنان. وكذلك الموقف الملتبس من الوحدة السورية - المصرية وضريبة ذلك. ثم يعدد الدكتور عبد الله حنا عوامل الصعود والهبوط إلا أنه لم يشر إلى عوامل أساسية لعبت دوراً كبيراً في الهبوط، وهي العلاقة مع المركز السوفييتي التي أدت إلى تبني بعض المواقف الخاطئة التي خسر الحزب بسببها الكثير الكثير من أعضائه وأصدقائه. يشير الكتاب إلى أسباب الانقسامات في الحزب ويعددها، وما يمكن إضافته بهذا الخصوص هو أن جميع هذه الانقسامات خرجت من جسد الحزب الأصلي وكانت مصطنعة يفتعلها (مركز واحد) بتحريض مجموعة رفاق ضد آخرين، ثم اختلاق مجموعة ثانية وأخرى، وتلك السياسة مستمرة ومتبعة منذ عام 1972 حتى يومنا هذا. وكما تبين مع مرور الزمن، كان هدفها البعيد هو خصخصة الحزب، فالمهم أن يكون الحزب في خدمة (الفرد الأول)، يلتف الحزب ويدور حوله، في محاولة لتقليد (الستالينية) داخل الحزب فقط!. كان حريّاً بالكاتب أن يشير إلى آراء أخرى، فليس المهم كثيراً ما يقوله الشيوعيون عن أنفسهم بقدر ما هو مهم رأي الآخرين فيهم، فكان من المهم التطرق إلى آراء غير الشيوعيين من المؤرخين والكتاب الذين كانوا مقربين إلى الشيوعيين بهذا الشكل أو ذلك. وكذلك الاستعانة بآراء المستشرقين الذين عاصروا قيادات الحزب في سورية ولبنان، أمثال الماركسي الفرنسي مكسيم رودنسون الذي أوفده الحزب الشيوعي الفرنسي إلى الشرق، وعمل أبحاثاً مهمة عن الحزب الشيوعي السوري. وكذلك باتريك سيل المستشرق الإنكليزي، والمستشرق الروسي يفغيني بريماكوف، وغيرهم. إن كتاب (الحركة الشيوعية السورية -الصعود والهبوط)، هو كتاب قيم وثائقي لم يقرأه كل المعنيين، وما نتمناه هو أن يقرأه الجميع بعمق ليتبين الحقيقة من الزيف والتشويه والتضليل المتعمد لتاريخ الحزب خدمةً لمشروع الخصخصة الآنف الذكر. فعلى الرغم من مرور أكثر من عام على صدور الكتاب مازال بعض المسؤولين الحزبيين يحتكمون إلى عواطفهم وأهوائهم كما في السابق عندما يتناولون جوانب أو مواقف من تاريخ الحزب. د. محمد مصطفى ملا عثمان النور 422 (3/2/2009)
|