الصفحة الرئيسية arrow دراسات ورأي arrow الميثولوجيا في الوعي الماركسي
زوايا اسبوعية
إحصاءات وأرقام
جرة قلم
كل أربعاء
أبيض على أسود
هواجس مواطن
من القلب إلى القلب
خارج السرب
مقرأ على كيفك
رسائل لا تصل بالبريد
مفارقات
للحكومة فقط
إصدارات جديدة
من صحافة العدو
من ذاكرة التاريخ
الرأي الآخر
قضايا عمالية
مواويل
دبابيس
كلمة المحرر
أخبار علمية
شرفات تراثية
شباك النور
زاوية منفرجة
يوميات مواطن



الميثولوجيا في الوعي الماركسي طباعة أرسل لصديق
بقلم: عبد الرزاق دحنون   

من المعروف أن الإبداع الميثولوجي هو أهم ظاهرة في التاريخ الثقافي الذي أبدعته البشرية عند العتبة الأولى في سلم رقيها الحضاري, ففي المجتمع البدائي كانت الميثولوجيا الوسيلة الأساسية لفهم العالم الغامض الذي يعيش فيه البشر, إذ تعد أقدم شكل من أشكال إدراك هذا التنوع الكبير في مظاهر الطبيعة المحيط بالإنسان من كل جانب.

وقد اعتقد أجدادنا الأوائل أن النفس قادرة على التجسد في مختلف ظواهر الطبيعة, فالعالم في نظرهم مسكون بالأنفس الطيبة والشريرة التي تؤثر على سلوكهم تأثيراً كبيراً. فإن كل حجر أو شجرة أو جبل, ناهيك بالحيوان, لها نفس ويمكن أن تؤثر في حياتهم اليومية. وهنا لابد لي من الإشارة إلى أن كلمة نفس وردت عند أهل مملكة إبلا في إدلب شمال سورية في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد بمعنى حياة nupustum نوبوشتوم, وهي أصل كلمة نفس العربية التي من معانيها: فرد, أو شخص. ولا غرابة أن تسمى دائرة الأحوال الشخصية دائرة النفوس. وقد وردت كلمة hayyum حيّوم أو حي بمعنى يعيش. وفي الأكدية حَيا اسم علم مذكر، إله المياه العذبة والحكمة وخالق الأحياء, وهو من جذر - ح ي - ومنه حياة وحيوان.
 وما إن هلَّت تباشير المجتمع المستقر على ضفاف الأنهار وفي السهول الخصبة القابلة للزراعة وتهجين الحيوان وبناء المساكن من الطوب المشوي بأشعة الشمس, حتى أخذت تظهر أساطير أكثر تعقيداً, وتتحول هذه إلى روايات وحكايات متسقة يرتبط بعضها ببعض وتؤلف في النهاية عالماً من الميثولوجيا الواسعة الطيف. وقد أظهرت الدراسات المقارنة لقصص مختلف الشعوب عن وجود تلاقح فيما بينها, يعود في أصله إلى مفهوم الاستعارة, فمثلما يستعير القمر نور الشمس ليعكسه ضياءً ساحراً على الأرض, استعارت الشعوب الأساطير من بعضها, بعد أن تكون الأسطورة المقتبسة قد أخذت مكانها المدرك في حياة الشعب الذي اقتبسها, وفي رؤاه, بما يتلاءم وظروف حياته ومستوى التطور الذي حققه.
 وقد تشكلت المقدمات الرئيسة للمنطق الميثولوجي لأن الإنسان البدائي لم يكن قد أصبح قادراً على فصل ذاته عن الوسط المحيط, الطبيعي والاجتماعي. فقد أضفى الإنسان صفاته الذاتية على مواضيع الطبيعة, ونسب إليها الحياة والأحاسيس البشرية - وما نشهده اليوم من دعوة بعض الجماعات البشرية إلى ترك المدن الكبيرة والعودة إلى حياة الطبيعة البكر ليس إلا انعكاساً لتوق النفس الإنسانية إلى عصورها البدائية - فالتعبير عن قوى الفضاء الكوني وصفاته وأجزائه على أنها شخصيات محددة, محسوسة, حية, هو الذي خلق الخيال الميثولوجي الغريب المبتكر, إذ غالباً ما تمثل الفضاء في الأساطير عملاقاً حياً يمكن أن يتألف العالم من أجزائه. ويصور الأجداد الكائنات الحية على أنها ذات طبيعة ثنائية على شكل حيوان وعلى شكل بشر, وهذا في اعتقادي ما يفسر أحد أسرار التماثيل المزدوجة التركيب المكتشفة في حقبة ممالك المدن الأولى في وادي الرافدين والهلال الخصيب.
 يدرك الوعي البدائي محتوى الأسطورة على انه حقيقة واقعية, لأنها إدراك حقيقي لواقع معطى في صورة حاضر مستمر. إن عدم القدرة على إقامة حد فاصل بين الطبيعي والخارق حول الميثولوجيا إلى نظام رمزي فريد, جرى إدراك العالم من خلاله. ويمكن أن تستمر بعض سمات التفكير الميثولوجي حية في وعي الناس إلى جانب عناصر المعارف الفلسفية والعلمية. ففي أيامنا هذه مازالت الأسطورة الدينية تستخدم على نطاق واسع في الموروث الشعبي والوعي الاجتماعي. مع إدراكنا أن عناصر الثقافة الدينية - كدرجة من الوعي سبقت التفكير العلمي - قد استهلكت تاريخياً. لذلك فإن محاولات استحضارها من جديد يتطلب منا وعياً جيداً بالظاهرة الدينية.
2
الدين هو قبل كل شيء جزء لا يتجزأ من ثقافة الناس الروحية, وواحد من العناصر المكونة لنشاط البشر, إنه واحد من أشكال الوعي الاجتماعي الرئيسة. وبهذا المعنى يمكن مقارنة الدين بأشكال الوعي الاجتماعي الأخرى مثل: السياسة, والتشريع, والأخلاق, والفن, والعلم والفلسفة. فمهمة الوعي لا تنحصر في تصوير الواقع الاجتماعي وحسب, بل تمتد لتشمل عملية توجيه الناس لاتخاذ خطوات أو إجراءات محددة. ويوجه كل شكل من أشكال الوعي الاجتماعي المذكورة, سلوك الناس وفق معطياته ومعاييره. وهذا ينسحب على الدين أيضاً.
غير أن الدين ليس مجرد نظرية فريدة لفهم العالم. ولو كان الأمر كذلك لانهار التصور الديني عن العالم منذ زمن طويل, ولكن الأمر يكمن في أنه تنبثق عن التصور الديني عن العالم صلة عاطفية معينة تربط المؤمن به, تنبثق عنه آمال بشرية, وتطلعات, وأوهام, وأشواق, ورغبات ومساع. وهذا الجمع من الأحاسيس والعواطف التي خلقها الدين في النفس البشرية, هي التي تجعل منه قوة حيوية مهيمنة. وعندما يلج النص الميثولوجي في بنية الموروث الديني يتجرد من طبيعته البشرية ليصبح في النهاية مقدساً. والمقدس نمط من أنماط علاقة البشر بأصل الأشياء يغيب فيها البشر ويظهر مكانهم أقران لهم, أي كائنات خيالية خارقة. إذ لا يمكن للمقدس أن يظهر إلا إذا غاب شيء ما من الإنسان. والإنسان الذي يغيب هو الإنسان شريك الطبيعة في تكوين نفسه، الإنسان الذي شكل أسلوب وجوده الاجتماعي وكيانه الاجتماعي.
فازدواجية البشر تترافق مع تشويه وحجب للواقع وقلب للعلاقات السببية. لكن حين يغيب الإنسان الحقيقي عن الأصول, حين يزدوج بالفكر مبتدعاً كائنات خارقة أقوى من الإنسان, ينشطر الواقع الإنساني ويصبح البشر الحقيقيون غرباء جزئياً عن أنفسهم, يكون ذلك بفعل آلية لا تتعلق بالفكر وحده. فابتداع هذه الكائنات وإنتاج حكايات تروي مغامراتهم وإعداد طقوس تحتفي بهم وتعيد إحياءهم بين البشر, كل ذلك يقتضي عملاً للفكر,عملاً واعياً يحرك في الوقت ذاته بنى لا واعية في الذهن. ويكمن الأمر الجوهري في أن الأساطير هي تفسير لأصل الأشياء يعطي شرعية لنظام الكون والمجتمع بإحلال بشر خياليين لم يدجنوا النبات والحيوان ولم يبتكروا الأدوات والأسلحة ولم يخترعوا اللغة, بل تلقوا هذه المنافع من أيدي الآلهة أو الأبطال المؤسسين, محل بشر حقيقيين قاموا بكل ذلك. وقد شرح هذه الفكرة الجوهرية بوضوح عالم الأنتروبولوجيا الفرنسي موريس غودولييه في كتابه لغز الهبة.
إن الميثولوجيا من وجهة نظر المادية الديالكتيكية, تطوير وحيد الطرف, مبالغ فيه, وتكبير, وتضخيم لإحدى الميزات الصغيرة في المعرفة, لأحد جوانبها, لأحد وجوهها, إلى مطلق منفصل عن المادة,عن الطبيعة, مؤلّه. ومن المؤكد أن للميثولوجيا جذوراً معرفية، ولها تربة، إنها زهرة لا تطرح ثمرة, ذلك لا جدل فيه, ولكنها تنبت على شجرة حية هي شجرة المعرفة الإنسانية الحقيقية,الشديدة الحيوية, المثمرة, القوية, الكلية الجبروت.

 عبد الرزاق دحنون


 النور 422 (3/2/2009)

 
< السابق   التالي >

القائمة الرئيسية
الصفحة الرئيسية
الصفحة الأولى
شؤون عربية ودولية
شؤون محلية
شؤون اقتصادية
ثقافة وفنون
شرفات الكلام
مجتمعيات
دراسات ورأي
علوم، بيئة، انترنت
الصفحة الأخيرة
وثائق حزبية
ملاحق النور
شخصيات: فرج الله الحلو
ملحق شباب 2009
ملحق النور
الاجتماع الاستثنائي للأحزاب الشيوعية، دمشق 2009
مؤتمرات ولقاءات
مؤتمر اتحاد الشباب 2008
خدمات أخرى
أرشيف الافتتاحية
ماركسيات
الموقع القديم
من نحن
اتصل بنا
بحث مخصص
مواقع أخرى
اشترك في النور
أحداث ومناسبات

7/4/2010 




يسمح بالنقل والاقتباس شرط الإشارة إلى المصدر- جميع الحقوق محفوظة لجريدة النور

(C) 2010 Annour NewsPaper
Webmaster: B.K

Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.