العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

مجازر الإبادة والقتل المستورد

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 نعمت سورية عموماً بنسبة عالية من الأمان والاستقرار طوال عقود سبقت آذار 2011 ولم يخطر حتى في خيال أي مواطن سوري قبل ذلك التاريخ أن وحشية العولمة الأمريكية ستتكثف على أرضنا، مستعيدة تاريخ المجازر الدموي الدخيل على مجتمعنا، الذي لم نعرفه إلا من خلال قصص مروية شفهياً وكتب وثّقت ذلك، لقد كان كابوساً ثقيلاً مشاهدة سفاحين سوريين ونحن في القرن الحادي والعشرين، يذبحون أطفالاً ورجالاً وشيوخاً بالسواطير، ويبقرون بطون نساء حوامل ويقطعون رؤوساً ويتباهون بحملها أمام كاميرات التصوير وهي تقطر دماً، ويرتكبون فنون قتل مروّعة بدمٍ بارد، في طقوس تلاوة الشعارات الدينية.

كنت قد قرأت بصعوبة على أوراق صفراء مهترئة بخطّ جدي بعض أسفار الظلم والعذاب المرّ الذي عاناه أهل قريتنا في رحلة السَّوق إلى الذبح عام 1914 حين كان الموت يحصد كلّ يوم اثنين أو ثلاثة منهم، بسبب الجوع والإرهاق والمرض والرعب والاضطهاد والاعتداءات على الطريق، قبل نجاة بعضهم من الموت المحتوم. ويروي الكاتب الأمريكي (مايكل أرلن) في كتابه (العبور إلى أرارات) الذي ترجمه والدي عن الإنكليزية عام ،1986 قصصاً تقشعرّ لها الأبدان عن فظائع الجندرما بحق المدنيين العزل، والكتاب هو اكتشاف الكاتب نفسه لهويّته الأرمنية المجهولة التي يكتشف من خلالها التاريخ المأساوي لأمته المقهورة، ويتضمن الكتاب تعريفاً للإبادة بأنها تعبير عن كراهية عامة تشمل كل إنسان (رجلاً، امرأة، طفلاً) ضمن فئة عرقية معينة، يجرّدها من إنسانيتها. ويعتبر الكاتب الإبادة الأرمينية واحدة من كبرى المجازر المرتكبة ضد الإنسانية، مثل المجازر بحق الأيبوز في نيجيريا، والشيوعيين في إندونيسيا، والهندوس في بنغلاديش، والهنود الحمر في أمريكا، ويتساءل: ما الذي يختلف أن تكون الضحية شُنقت أو قُطع رأسها أو ضربت بالعصا حتى الموت أو ماتت جوعاً أو تعرضت لطرق لا حصر لها من التعذيب الجسدي - ص 213؟

في الكتاب مئات الوثائق عن آلاف من العمال الأرمن ذُبحوا ورُميت جثثهم في الكهوف، وعن الطرق الشيطانية للتعذيب في جرائم الإبادة التي تشكل جذور ما حدث في المجازر التي شهدتها سورية بعد عام ،2011 منها ما ورد في الصفحة 58 عن كاهن ومعلمين أرمن ألقت الشرطة التركية القبض عليهم عام 1915 وسلّمتهم للجمهور، رُبط الكاهن إلى كرسيّ، ثم نُتف شعر رأسه ولحيته، ثم قطعت أذناه فأنفه، ثم اقتلعت عيناه، أما المعلمان فقد أدخلوا المسامير في أيديهما وأرجلهما ثم في رأسيهما، واستعرض التقرير الألم الرهيب والزعاق المروع لهؤلاء الضحايا.

تحدث الكاتب عن مئات آلاف الأرمن الذين ساقهم عسكر السلطنة العثمانية إلى الصحراء السورية القاحلة الخالية من أي نوع من أنواع الحياة ليموتوا جوعاً، عدا الذين ذُبحوا ووهبت السلطات العثمانية ممتلكاتهم مجاناً للمهاجرين الأكراد، وفي وثيقة كتبها سويسري مقيم في تركيا مؤرخة في 16 تشرين الثاني 1915 جاء: (وجدنا نحو ثلاثين إلى أربعين ألف أرمني بائسين، شبه أموات ينهارون تحت أثقالهم يسوقهم الجنود للأمام بأخامص بنادقهم وأحياناً بحرابها)، ويتابع: (أسرعت مجموعة من الأطفال الجائعة الباكية ومن النساء، وارتموا عند أقدامنا يطلبون الخبز). ويقول في مقطع آخر: (تجمّدت أرجل كثير من النساء فكانت سوداء تماماً في حالة تدعو للبتر)، وقد تساءل: (كم من الأطفال الأرمن شاهدوا آباءهم يُقتَلون أو وقعت عيونهم على أمهاتهم وأخواتهم وهن ينزل بهن التعذيب الوحشي حتى الموت؟).

ومن الجدير بالذكر إشارة الكاتب إلى الصمت الدولي عن المجزرة رغم وصول تقارير السفراء والقناصل عنها إلى عواصم ألمانيا وفرنسا وإنكلترا.

وما أشبه الأمس باليوم، منذ أن جاءنا آذار 2011 المشؤوم قالباً وجه حياتنا الآمنة، وعواصم الغرب والمنظمات الإنسانية تتفرج على أنهار الدم في مجازر قرية حطلة وقبيلة الشعيطات في دير الزور، وخان العسل في حلب، وعدرا في دمشق، وتدمر في حمص، وقلب لوزة في إدلب، والزارة في حماة، ومجزرة الريف الشمالي لمدينة اللاذقية التي وقعت فجر يوم الأحد 8 آب 2013 تحت عنوان غزوة عائشة أم المؤمنين، إذ هاجم آلاف من الإرهابيين من جبهة النصرة وداعش وكتائب أحرار الشام وكتائب نصرة المظلوم وصقور العز وحركة مجاهدي الساحل وغيرها من المجموعات التي تديرها غرفة عمليات أنطاكية الاستخبارية التي تنسق وتقود معارك الإرهابيين في المنطقة، وتضم هذه المجموعات في صفوفها ليبيين وسعوديين وشيشان وأتراكاً وتركستان وسوريين بينهم أبناء جبل الأكراد، مكان حدوث المجزرة بحق المدنيين العزل في قرى صغيرة مسالمة هي أوبين - إنباته - تلا - بيت الشكوحي - بلوطة - استربة - أبو مكة - الحمبوشية - الخربة - وطى عرامو- كروم عرامو - القليعة - بارودة - برمسة - اليادودة البلاطة - الخراطة - الكنفة - خربة الباز.

قام الإرهابيون بإبادة عائلات بكامل أفرادها ذبحاً: أطفالاً صغاراً وصبايا ونساء وشباناً ومسنين وحتى ذوي الإعاقات والقاصرين، وحتى الأجنة انتزعت من بطون الحوامل وهن على قيد الحياة قبل الإقدام على ذبحهن، وذبح أطفال أمام ذويهم، ونهبت البيوت وأحرقت الممتلكات مع عمليات اغتصاب وخطف واحتجاز وتقطيع أطراف بالبلطات وإطلاق نار وإعدامات بالجملة في ساحات القرى المذكورة.

الشاعر طلال سليم من قرية بلوطة الذي فقد أكثر من أربعين فرداً من عائلته، بينهم أبوه و3 من إخوته وعمته البالغة من العمر85 عاماً وعمّه وأولاده وخاله وأولاده وابنتا أخته، صرّح لجريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ 14 آذار 2014 إن قريته كانت المكان الأكثر أمناً في العالم، ولم نكن نخشى من هجوم جيراننا، فالعلاقات بيننا تاريخية وودودة قبل الهجوم الكبير، وروى أنه كان في دمشق وكانت زوجته وأولاده في القرية أثناء وقوع المجزرة التي أخبرته بحصولها زوجة أخيه، فاتصل بزوجته أربع مرات دون رد، وفي الخامسة فتح الخط فسمع صيحات التكبير مترافقة مع بكاء زوجته وبناته المخطوفات.

وسط صمت دولي مريب استمرت المجزرة أسبوعين من القتل الممنهج على خلفيات مذهبية باستخدام السواطير والحِراب العسكرية والخناجر والسيوف والرصاص أسفرت عن استشهاد 450 مدنياً وعدد كبير من الجرحى والمفقودين والمخطوفين. وتبيّن لاحقاً أنه تم التحضير للمجزرة قبل شهرين من حصولها، وأنها موّلت من قبل سلفيين كويتيين.

الصمت الدولي مظهر من مظاهر شريعة الغاب التي فرضتها على العالم العولمة الأمريكية، بعد تفكّك المنظومة الشيوعية وازدواجية المعايير في تعامل دول الغرب مع دول العالم الثالث، فالعنف السادي هو النتيجة الأشد وحشية من نتائج تلك العولمة من خلال تحالف قوى الليبرالية المالية الدولية مع التراث الرجعي الوهابي.

وظاهرة العنف المرتبط بالعدوانية الشديدة في استعادتها لروح الوحشية العثمانية التي سبقت اعتماد الشرعية الدولية هي ذروة الردة الثقافية الرجعية التي مولتها قوى المال العالمي الغربية، لعرقلة تطور العقل التقدمي لعصر الأنوار، وهنا يكمن جوهر القضية، فتحول المرء إلى سفاح وحش يقتل أخاه الإنسان بشناعة واستمتاع؟ ليست مسألة ردة فعل على فعل نظام سياسي كما يحلو لبعض مستثمري السياسة والحرب النفسية اختصارها إلى هذا الحيز الضيق من جوانب شاملة متعددة اقتصادية واجتماعية وسياسية ونفسية وتاريخية، بل هي في الأساس أوضح تعبير عن طبيعة العولمة المتوحشة التي أيقظت غرائز بائدة لجماعات دينية إقصائية متطرفة كانت في طريقها إلى الاضمحلال الطبيعي في مسار تطور العقل البشري.

إن مشهد إنسان سوري يمضغ قلباً نيئاً بدمه انتزعه بالحربة من صدر إنسان سوري آخر، ويتباهي بفعلته أمام كاميرات الفيديو، ليس مشهداً مألوفاً من تراثنا المجتمعي ولا ينتمي إلى طبيعة شعبنا وثقافتنا، بل هو ممارسة لإيديولوجيا غازية، دخيلة، فالعولمة الأمريكية هي التي سلخت آكل القلب من بيئته الطبيعية وحولته إلى ذئب بشري بانتماء عابر لزمن القيم الإنسانية وللحدود الوطنية، انتماء إلى إيديولوجيات عصابات الإرهاب التي تحمل في جوهرها النزوع العدواني والكراهية والحقد المؤطر في التخطيط والأهداف وخلق الحماس للممارسة والتنفيذ، مبررةً العنف بصفته وسيلة دفع الشر الصادر عن الغير، وعصابات الإرهاب هي جزء من مكونات العولمة الأمريكية، وليست جزءاً من مكونات المجتمع السوري حتى بوجود كوادر من السوريين المضللين في جسدها.

تمت قراءته 161 مرات