العدد:793
تاريخ:6/ 12/ 2017
 

الخـليج العربي من المشيخات إلى مشروع الدولة المشيخة

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

الحديث عن بريطانيا والعرب طويل جداً يحتاج إلى كتابة آلاف الصفحات، والعودة إلى التقارير التي تحتفظ بها وزارات خارجية الدول الاستعمارية إضافة إلى الوثائق السرية، ونحن في هذه العجالة لا نرى التوسع في ذكر الأسباب التي نشأت لصالح السياسة الاستعمارية البريطانية، والنتائج التي تركتها هذه السياسة على مستقبل المنطقة وآثارها السلبية، بل سوف نقتصر الحديث على الدور البريطاني في جنوب شبه الجزيرة العربية والخليج العربي، وآثار هذه السياسة على رسم مستقبل هذه المنطقة على المدى المنظور، والكيانات التي نتجت عن هذه السياسة بعد انحسار بريطانيا عن المنطقة.

سيطر البريطانيون على شبه القارة الهندية سيطرة كاملة، بحدّ السيف، بعد المنافسة الشديد التي دارت بين كل من الإمبراطوريتين السابقتين البرتغالية والهولندية، وأساس هذه المنافسة قامت على تجارة التوابل، التي استمرت قرابة مئة عام، ومن أجل حماية طريق الهند، جرت السيطرة على أغلب الدول الواقعة على تلك الطريق، وأصبح الطريق مفتوحاً بين بريطانيا وشبه الجزيرة الهندية، ولهذه الغاية احتلت بريطانيا الممرات الرئيسية كمضيق جبل طارق، وقناة السويس، ثم احتلت عُمان وعدن وجنوب اليمن، وسيطرت على مصر والسودان والصومال، ولاحقاً على فلسطين والأردن والعراق، وفق اتفاقية سايكس بيكو، وأحكمت سيطرتها على الخليج العربي والممرات المائية للمحيط الهندي، وحاربت القبائل العربية بدعوى مكافحة القرصنة ومقاومة تجار الرقيق ومنع تهريب الأسلحة، وحماية أمن المنطقة من أطماع القوى المحلية (الفارسية، والعثمانية، والمصرية)، ومن عودة القوى الأوربية البرتغالية والهولندية، وربطت حكّام هذه المنطقة بمعاهدات واتفاقيات تضمن المصالح البريطانية، ونشرت الدبلوماسيين والقناصل والممثلين في كل الموانئ الواقعة على الخليج.

وقد شهد القرنان السابع عشر والثامن عشر ظهور فعاليات عربية واسعة النطاق في قلب الجزيرة العربية، وعلى جانبي الخليج اتسمت بالحيوية والنشاط والقدرة البحرية والقوة، كبني كعب وأسطولهم البحري، والقواسم في ساحل عمان، مما ليس له مثيل تاريخ العرب الحديث.

 وكانت أولى نتائج السياسية البريطانية للسيطرة على الخليج فرض الصلح مع القواسم في رأس الخيمة عام 1820 (واسم القواسم يُطلق على كل القبائل العربية التي كانت ولاتزال تقطن في تلك المناطق الجنوبية في الخليج). ويتمثل هذا الصلح بإبرام معاهدة (الصلح البحري) التي وقّع عليها أكثر من عشرة رؤساء من القبائل الذين لديهم سلطات مستقرة، غايته انفراد بريطانيا برسم سياسة الخليج بما يتلاءم مع المصالح البريطانية الخاصة، وفرضت عليهم المعاهدة البحرية المذكورة التي كبّلت سكان الخليج بالحديد بعد تعديلها عدة مرات حسب الظروف، وحسب مصلحة بريطانيا في الحفاظ على مصالحها وتشديد قبضتها، حتى استطاعت في نهاية الأمر ربط جميع القبائل بمعاهدات واتفاقات، تحولت إلى ارتباطات سياسية جعلت من بريطانيا مسؤولة عن العلاقات الخارجية في منطقة الخليج، ووقّع المشايخ على اتفاقيات متباعدة ما بين 1861-1916، بحيث أصبح هؤلاء معزولين عن العالم الخارجي إلا عن طريق بريطانيا، وخاصة عندما أحست بوجود البترول، فشدّدت قبضتها بشتى الوسائل، واستطاعت استدراج البحرين للتوقيع على معاهدة الصلح البحري عام 1937، وكانت العلاقات بينهما قد تطورت تدريجياً من أعوام 1822 حتى عام 1861 باتفاق يقضي بعدم التنازل أو البيع أو الرهن أو غيرهما، وعدم القبول بأي احتلال لأي جزء من الإمارة، ولا يكون ذلك إلا بموافقة الحكومة البريطانية، ووقع على هذا الاتفاق كل من شيوخ عجمان وأم القوين ورأس الخيمة ودبي وأبو ظبي والشارقة، وهم الذين يطلق عليهم اسم إمارات الساحل المتصالح، وقدم كل شيخ منهم تعهداً خطياً ووقّعه بنفسه يتضمن ما تضمنه الاتفاق مع البحرين، وقد نص التعهد الذي قدمه شيخ أبو ظبي عام 1893 على: (أني لا أتدخل أبداً على قرار ما، ولا محاورة مع إحدى الدول سوى الدولة البهية الإنكليزية، وبغير رضا الدولة البهية الإنكليزية، ولا أقبل أن يسكن في حوزة ملكي وكيل من دولة غير الدولة البهية الإنكليزية أبداً، ولا أسلّم، ولا أبيع، ولا أرهن، ولا أعطي لتصرف، أو التبوؤ بنوع ما شيئاً من ممالكي لأحد إلا للدولة البهية الإنكليزية). وبمثل هذا التعهد سيطرت بريطانيا سيطرة كاملة على مقدرات الخليج. وتأخر توقيع الكويت على هذه المعاهدة وبالشروط ذاتها حتى عام 1899، لأن الكويت كانت تعتبر نفسها خارجة عن نطاق ما يعرف بإمارات الساحل المتصالح، وظل الوضع في قطر على ما هو عليه بسبب الخلافات بين بريطانيا والدولة العثمانية على تحديد مناطق نفوذهما حتى عام 1916، اضطرت بعدها إلى توقيع الاتفاق مع بريطانيا، والتخلي عن شؤون الدفاع والخارجية.

وشملت الاتفاقية جميع نصوص الاتفاقات المعقودة مع بقية الإمارات في الساحل المتصالح، وهكذا تحقَّقَ لبريطانيا ربط جميع الإمارات والمشيخات من البحر الأحمر حتى الكويت على طول السواحل العربية، واستمرت المراقبة البريطانية وعدم السماح بتأسيس أو إقامة قواعد بحرية أو بناء حصون في المنطقة تتعارض مع المصالح البريطانية، ولم تكن عين بريطانيا غافلة عن الاستيلاء على عدن باعتبارها الركن الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية، وميناء بحرياً ممتازاً على مدخل البحر الأحمر، إضافة إلى تاريخها التجاري القديم، ومركزها المتوسط بين قارات العالم القديم الذي جعل منها الحارس الأمين لتحمي المصالح البريطانية البترولية في الخليج والمصالح السياسية في الهند. ويرجع تطلّع بريطانيا للاستيلاء على شاطئ اليمن الجنوبي إلى عام 1818، لذلك أنشأت في المكلا عاصمة حضرموت عام 1828 مستودعاً للفحم للسفن البريطانية، ثم احتلت عام 1834 جزيرة سوقطرة، وكان ميناء عدن هو الهدف. واتخذت بريطانيا من غرق إحدى السفن عام 1837 محملة بالبضائع والمسافرين وسرقة حمولتها وبيعها في أسواق عدن ذريعة لاحتلال عدن، إلا أنها فشلت، وتمكنت من احتلالها عام 1839، أما المناطق حول عدن فقد أبرمت الحكومة البريطانية علاقات حوار وصداقة طورتها إلى اتفاقيات حماية بصورة تدريجية، فشدّدت قبضتها على مجموعة من المحميات شرق عدن وغربها وصل عددها إلى ما بين 25 إلى 30 محمية تدرجت من إمارة إلى مشيخة إلى سلطنة لا يزيد عدد سكان بعضها على مئات من الأشخاص، ومساحة بعضها لا يتعدى قصر الأمير أو السلطان، وبعد فتح قناة السويس واكتشاف النفط في الخليج ازدادت أهمية عدن الاستراتيجية بالنسبة لبريطانيا حتى أصبحت من أكبر القواعد الحربية في المحيط الهندي، وتقف بالمرصاد لكل حركة تحررية في المنطقة وفي المستعمرات الإفريقية، وتحمي مصالحها الاقتصادية في الخليج، والسياسية في الهند، وسعت لجعلها محمية مرتبطة بها إلى الأبد، وحاولت طمس هويتها بإصدار قانون يشجع الهجرة إليها، ومنح الجنسية لأي شخص قادم من دول الكومنولث، ومنعت هذا الحق على المواطن العربي حتى الإقامة فيها، ولكن الخطة لم تنجح بسبب المقاومة التي أبداها الشعب في عدن وبضمنها المقاومة المسلحة، وظهور حركة التحرر الوطني العربية والعالمية، وإدراك بريطانيا أنه لم يعد بإمكانها البقاء في عدن بسبب الثورة من جهة، وبسبب انهيار إمبراطوريتها، وانسحابها من الهند وقناة السويس، وأعلنت عن خطتها بالانسحاب من عدن حتى دون حفل بإنزال العلم البريطاني، وإعلان استقلالها في تشرين الثاني 1967. وكانت عمان إحدى المناطق التي جذبت إليها الأنظار منذ وصول البرتغاليين إلى بحر العرب في القرن الخامس عشر، بسبب موقعها الجغرافي المطل والمهيمن على مضيق هرمز من جهة، وخليج عمان وبحر العرب من جهة أخرى، وظل العمانيون يحتفظون باستقلالهم حتى القرن التاسع العشر، حين استطاعت بريطانيا فرض نفوذها عليهم، وكانت عمان إحدى القوى الرئيسية التي لعبت دوراً كبيراً في الصراع الدولي في البحر العربي خلال ثلاثة قرون، وإخراج البرتغاليين من بلادهم واللحاق بهم إلى إفريقيا، وأسسوا في زمن السلطان سعيد بن سلطان (1806-1856) إمبراطوريتهم في كل من زنجبار ومسقط، ولقّب بملك السواحل، ومدّ نشاطه التجاري إلى داخل القارة الإفريقية.

وكانت أول دولة عربية تضمّ في جانبيها السواحل العربية والإفريقية، وبعد وفاة سعيد نشب خلاف بين ولديه لاستلام حكم القسمين الآسيوي والإفريقي، ولكن الإنكليز تدخلوا بالأمر، وساعدوا على استقرار السلطة. قضى التقسيم بين الولدين بإقامة سلطتين منفصلتين: الأولى في مسقط وملحقاتها في الخليج، والثانية في زنجبار والممتلكات الإفريقية، واستطاعت بريطانيا بذلك وضع الطرفين تحت نفوذها، وعاشت عمان فترة طويلة، من عدم الاستقرار والصراع الداخلي قاربت مئة عام، ويصعب في هذه العجالة الدخول في تفاصيلها، حتى أصبحت المسألة العمانية قضية دولية عرضت على الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكثر من دورة، وأيضاً على الجامعة العربية، وتوصلت من حيث النتيجة إلى تغيير نظام الحكم بإبعاد السلطان سعيد بن تيمور وتسليم ابنه قابوس بن سعيد عام 1970 فسعى إلى توحيد عمان بعد أن كانت دولاً وإمارات داخلية ودعا جميع القوى المعارضة للعودة إلى البلاد.

لم تكتف بريطانيا بما حققته من سيطرة مطلقة على الخليج، إلا أنها كانت تخشى تسرب النفوذ الأجنبي الفرنسي والروسي إليه، لذلك تحول اهتمام بريطانيا من الحفاظ على طريق الهند إلى الحفاظ على الهند ذاتها، ومنع أية دولة من التطلع إليها، وظل التنافس البريطاني والروسي على أشده حتى قبيل الحرب العالمية الأولى- وكانت العراق الهدف الرئيسي، وخاصة بعد اكتشاف النفط في عربستان الذي أدخل كل من الخليج والعراق في مرحلة جديدة، وجعل بريطانيا تنظر إلى المنطقة نظرتها إلى الهند نفسها، ومهدت الحرب العالمية الأولى لاحتلال العراق بدخولها البصرة، ولم تعد تخشى أية منافسة أوربية بعد اتفاق سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا الذي أطلق يد بريطانيا في العراق وتخلي كل من فرنسا وروسيا عن المنافسة، وخاصة بعد قيام الثورة البلشفية. نجحت بريطانيا في الهيمنة على الجزء الأكبر من الوطن العربي، وسيطرت على منطقة واسعة ذات موقع جغرافي هام يضم ثروات هائلة أهمها البترول أحد أعمدة الصناعة في العالم، وأجرت مسحاً كاملاً للخليج، ورسمت الخرائط له، ومددت خطوط التلغراف، وزرعت ممثليها المقيمين في مختلف العواصم وفرضت الاتفاقيات، وأعدت الخطة للبقاء في المنطقة أطول فترة زمنية ممكنة، فعملت على بث التفرقة والانقسامات في الجسد الواحد، وخلقت كيانات ومسميات مختلفة تضمن لها نفوذاً فيما إذا اضطرت للانسحاب منها، وزرعت الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي.

رغم الأوضاع السياسية التي خلقتها الحرب العالمية الثانية، ونهوض حركة التحرر الوطني على مستوى العالم، لم يطرأ أي تغيير على سياسة بريطانيا الاستعمارية، لذلك هبت الشعوب في كل مكان تطالب باستقلالها، وبحق تقرير مصيرها، ما دفع الشعوب العربية الخاضعة للنفوذ البريطاني للمطالبة بالاستقلال.

وقد أشرنا في البداية إلى أن الحديث سوف يقتصر على منطقة الخليج، وهذا لا يعني أننا نتجاهل بقية المناطق التي خضت للاستعمار البريطاني، مما جعل بريطانيا في وضع صعب، فلم تعد قادرة على الاحتفاظ بإمبراطوريتها الممتدة إلى الهند واضطرارها للانسحاب عن كل من مصر والعراق السودان وعمان وجنون اليمن، وفي الخليج كانت الكويت أول دولة خليجية تحصل على استقلالها عام 1961 وإلغاء معاهدة 1899، ثم البحرين في آب 1971، وأعقبها استقلال قطر في أيلول 1971، أما بقية الخليج فكان الموقف مختلفاً عن كل من البحرين وقطر بسبب وجود عدد كبيرة من الإمارات والمشيخات المتداخلة فيما بينها بشكل لا يمكن فصل الواحدة عن الأخرى، إضافة إلى الإمكانيات الضعيفة وعدد السكان القليل، وكانت إمارة أبو ظبي أكبر الإمارات مساحة، ثم دبي ورأس الخيمة والشارقة والفجيرة وأم القيوين التي عرفت جميعاً بإمارات الساحل المتصالح، وكان من الطبيعي أن يجري بين هذه الإمارات نوع من التعاون أدى إلى إعلان اتحاد فيدرالي بين أبو ظبي ودبي في شباط 1968 وطلبت المشيخات الأخرى الانضمام إلى هذا الاتحاد، وكان التوجه إلى إقامة اتحاد يضم الإمارات التسع إلا أن قطر والبحرين رفضا الانضمام إلى الاتحاد بتشجيع من بريطانيا، وأعلن في تموز 1971عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة التي تشكلت من إمارات أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القوين والفجيرة مع بقاء الباب مفتوحاً لانضمام باقي الإمارات الأخرى.

إن انحسار النفوذ البريطاني بخروجه من الأماكن التي كانت تحت السيطرة وخاصة بعد حرب السويس ومنطقة الخليج، لم يبق له إلا بقايا من العملاء القدامى الذين كانوا يعتقدون بصدق نيات بريطانيا تجاه العرب التي خيبت أمالهم، وبخروجها تركت إرثاً ثقيلاً من عملية التفتيت والتجزئة المتواصلة، بحيث جعلت من الإمارات والمشيخات غير قادرة على تدبير شؤونها، وعرضة لهزات اجتماعية وسياسية، إضافة إلى وجود مشاكل حدودية كثيرة جداً بين كل إمارة ومشيخة مع الإمارة والمشيخة الأخرى، وخلافات ونزاعات قبائلية وعشائرية تظهر بين الحين والآخر، وأدت المعاهدات التي أبرمتها سابقاً مع هذه الإمارات والمشيخات إلى التثبيت الدائم لعائلة مهيمنة على موقع السلطة في كل مشيخة تقطع الطريق على إمكانية تداول السلطة، ورسمت حدود هذا الكيان الذي رسم لنفسه حدوداً سياسية حول المدن الصغيرة المسماة باسمها هذه المشيخات، وما تبع ذلك من آثار سياسية خطيرة كالكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة التي كانت كلها مُدناً في منتهى الصغر كما يحلو للبعض تسميتها تهكماً (دول- حقول نفطية) أو حتى دول آبار نفطية (دولة البئر) وهي أخذت تصدق نفسها وتصر كل منها على إقحام كلمة دولة إضافة إلى الاسم الحقيقي مثلاً دولة قطر، دولة الكويت، دولة البحرين للتلميع وتصديق نفسها أنها أصبحت دولاً حقيقية.

وإن كل اكتشاف النفط بدأ من ثلاثينيات القرن الماضي، إلا أن إنتاجه لم تبلغ ذروته إلا بعد حرب تشرين 1973، وتأثير هذه الحرب على اقتصاديات الخليج، وتحوله من اقتصاد الرعي إلى اقتصاد النفط وفورته. وكان لهذا النوع من الاقتصاد نتائج سياسية كبيرة، وأدى هذا التدفق الهائل لأموال النفط إلى استقرار وهدوء نسبي في هذه (الدول) منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي بحيث بلغت عائدات النفط مبالغ طائلة أكبر بكثير من الإنفاق، وشعرت هذه الدول بالحاجة إلى تشكيل تكتل اقتصادي سياسي أمني يقف في وجه المخاوف التي أخذت تنتابها من خلال تمركز الثروة بيدها في مواجهة الطروحات العروبية والقومية الوافدة من الأقطار العربية الكثيرة السكان ودخولها القليلة من جهة، وزرع الخوف من الثورة الإيرانية الصاعدة التي أخذت تغذيها المملكة العربية السعودية، الستندة إلى الوهابية من جهة أخرى، والعمل على تبديل وجهة العدو من العدو الصهيوني إلى إيران، لذلك بدأ السعي منذ أواسط السبعينيات إلى التفكير بإيجاد منظمة إقليمية تحقق التكامل لبعض العرب الأثرياء تمثّلت في تشكيل مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 الذي يعتبر أول منظمة إقليمية تضم عدة دول تشكلت في العالم العربي منذ تأسيس الجامعة العربية، وكان الهدف من وراء تشكيل هذا المجلس الذي يضم المملكة العربية السعودية وقطر والبحرين وعمان والكويت والإمارات العربية المتحدة نوعين من الاهتمامات: هاجس أمني، خشية تعرض هذه الدول للاعتداء بسبب وضعها الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه القلق يساورها حول إمكانياتها المادية، وحول مستقبلها الاقتصادي، أي مرحلة ما بعد البترول.

ومع الأسف، وبدلاً من أن يسعى هذا المجلس إلى تطوير قدراته العلمية والتكنولوجية والاقتصادية، بما ينعكس إيجابياً على شعوب هذه البلدان والبلدان العربية الأخرى، إلا أن التنافس داخل المجلس وبين دوله جعل منه تجمعاً يعمل ضد الدول العربية ويتآمر عليها، وهدر قدراته المالية على تمويل الإرهاب، والعمل على زعزعة استقرارها والتدخل في شؤونها الداخلية كسورية وليبا ومصر واليمن والعراق.

والعمل على تغيير هذه الأنظمة وتدمير بناها التحتية، واستدراج القوى الخارجية من أجل تحقيق هذا الهدف، وتنفيذ الأجندات والمخططات المرسومة من قبل الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية الوريث للسياسة البريطانية في المنطقة منذ مئتي عام، وقد أخذت هذه السياسة التي اتبعها مجلس التعاون الخليجي بالارتداد على دوله، وخاصة الخلاف بين المملكة العربية السعودية وقطر الذي يعود تاريخه إلى أوائل القرن الماضي، وهذا موضوع يطول شرحه ولسنا بصدده الآن.

هذا ما تركته لنا بريطانيا، وما سعت إليه لاحقاً بتدريب وتجهيز الجيل اللاحق من الحكام، جغرافيات وكيانات قبلية مشرذمة متقاتلة غير قادرة على صياغة مستقبلها، وغير قادرة على التعاطي مع محيطها، كيانات مرتهنة مجدداً للسياسة الأميركية، جغرافيات قائمة على القبلية والعشائرية والحقد والكراهية، وأدوات طيّعة بيد الصانع الأمريكي.

المراجع: بتصرف

1- محمد عدنان مراد- بريطانيا والعرب- دار طلاس-1989.

2- تضخيم الدولة العربية- نزيه الأيوبي- ترجمة أمجد حسين- المنظمة العربية للترجمة- مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت 2010.

تمت قراءته 242 مرات
المحامي فؤاد البني

عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري «الموحد».