العدد:790
تاريخ:8/ 11/ 2017
 

(الحياة معجزة) لكوستوريتسا: حين حوكم المبدع لمناصرته الحب!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

كانت السينما التي قدّمها المخرج البوسني/ الصربي ( أو «آخر المواطنين اليوغوسلاف» وفق إصراره هو نفسه في بعض الأحيان) إمير كوستوريتسا، معلّمة بأفلام تعتبر دائماً من الروائع بالنسبة الى النقاد الأوروبيين على وجه الخصوص. وهي أفلام حملت عناوين باتت شهيرة مثل: «بابا في رحلة عمل» و«زمن الغجر» و«أندرغراوند» و«قط أسود قط أبيض». ونعرف أن أكثرية أفلام كوستوريتسا نالت جوائز عديدة في أكبر المهرجانات، من بينها بالطبع السعفة الذهبية في «كان» مرتين، ناهيك بتكريمات وتنويهات أخرى. لكن الذي حدث حين عرض كوستوريتسا واحداً من آخر أفلامه في مهرجان «كان» قبل سنوات، أن شُنّت عليه حملة ضارية، ليس من السينمائيين أو النقاد هذه المرة، لكن من مفكرين وسياسيين باريسيين أقرّ البعض منهم بأنه لم يشاهد الفيلم. هذه القضية التي سنعود إليها بعد قليل هنا، أثارت حينها ضجة كبيرة لكنها لم تؤثر في عمل كوستوريتسا ومكانته السينمائية، بل أثّرت في الحقيقة في صدقية الذين بادروا الى شنّ الحملة عليه. وهنا قبل أن نعود الى هذا الموضوع، قد يكون من الأكثر جدوى التوقّف عند الفيلم نفسه.

كوستوريتسا الذي تحدث عن «الحياة معجزة» حينما عرض بنجاح كبير - وإنما من دون جوائز أساسية - في تلك الدورة من مهرجان «كان»، قال يومها أن فيلمه هذا «متفائل ولكن في شكل حزين»، معلناً أنه في الأصل شاء لهذا الفيلم أن يكون أشبه بجردة حساب للحرب التي دمرت وطنه، وجردة حساب لتاريخ هذا الوطن، بخاصة لذلك الصراع الذي لم يكف كوستوريتسا عن أن يكون شاهداً عليه بين الحرب والحب، بين النار والماء، بين الخراب والعمران. ونعرف طبعاً، أن كوستوريتسا كان دائماً، ولا يزال، واضح الموقف والجانب إزاء هذا كلّه. وكان من الطبيعي له بالتالي، أن يعبّر عن هذا الموقف تحديداً في هذا الفيلم الجديد الذي حاول فيه مجدداً أن يزاوج بين متعة الفرجة السينمائية ورغبته الحادة في التعبير عن مواقفه السياسية التي، على أية حال، لم يكن من السهل عليها أن ترضي الجميع... وفي الفيلم بداهة، طالما أن في المسألة كل تلك الثنائيات والتناقضات الصارخة بين أطراف الصراعات ومناصريهم هنا وهناك، كان من الطبيعي أن تتوسط «الحياة معجزة»، حدودٌ بين عالمين مع وجود قطار مشترك يربط بينهما، أو لعلّ مهمته أن يفصل بينهما؟ هذا على أية حال ما سيحاول الفيلم أن يقوله. ولعل في إمكاننا هنا، أن نقول كم أن وجود هذا القطار يذكرنا هنا برابط وصل آخر كان بدوره بلقانياً: في رواية «الجسر ذو الأقواس الثلاثة» لإسماعيل كاداري - هل ترى كان كوستوريتسا يعتبره أخاً له في المواطنة؟ - ثمة جسر يبنيه الألبانيون بجهودهم فيكون أول عابريه العثمانيون الذين يأتون غزاة ليدمروا الألبان وهويتهم. وفي الفيلم ها نحن أمام خط السكة الذي يبنيه لوقا - الشخصية المحورية في الفيلم -، ويكاد ينجزه، حينما تندلع الحرب، ما يتيح للوقا مواجهة الثنائيات إياها.

في «الحياة معجزة»، يؤكد لنا كوستوريتسا هذا كله في إبداع يقوم في كيفية قول الجديد لديه من دون أن يفصله بأي حال من الأحوال عن القديم، بل حتى لا يفصله عن مكونات وعيه الفني منذ طفولته: الموسيقى الشعبية، ولوحات مارك شاغال. لكنه هذه المرة، يضيف شكسبير. فالشاعر والمسرحي الإنكليزي الكبير، حاضر هنا وبقوة. أساساً من حيث أن الموضوع العام لـ «الحياة معجزة» يدنو كثيراً من رائعة شكسبير «روميو وجولييت» من دون أن يحاكيها خطوة خطوة. ومن ناحية ثانية، من حيث وجود عبارات كثيرة في حوارات الفيلم مستقاة من شكسبير مباشرة.

هذا المزج الموفّق بين الموسيقى والرسم وشكسبير، يعطي «الحياة معجزة» زخماً كبيراً. لكن ثمة في الوقت نفسه، مرجعية أخرى، غير معلنة تماماً، لكنها لا يمكن أن تغيب عن هاوي السينما الحقيقي: فحواها هذه المرة بعض أعمال نيكيتا ميخالكوف، المخرج الروسي الكبير، الذي بالكاد يفلت من المتفرج النبيه، ذلك التقارب بين فيلمه القديم (نسبياً) «عبد الحب» والجديد (نسبياً أيضاً) «حلاق سيبيريا». وليس الأمر صدفة هنا... إذ من الواضح أن المخرج «اليوغوسلافي» يوجه الى زميله «السوفياتي» تحية سينمائية حارة، هما اللذان تجمعهما معاً لغة الحنين المشترك الى ماض صار بعيداً مع أنه ليس بالبعيد. ثم، هل يدهش هذا التقارب من يعرف انتماء الاثنين، طوعاً واختياراً، الى تلك الروح السلافية المنطلقة الساخرة المريرة، في ديناميكية شاهدنا إماراتها الف مرة ومرة في أفلام لطالما أثارت إعجابنا؟

كما في «حلاق سيبيريا» حيث ثمة قطار يبنى وسط الغابات والمناطق النائية، ثمة في «الحياة معجزة» أيضاً قطار يبنى عند الحدود بين البوسنة وكرواتيا. وينتمي المشروع طبعاً، الى الزمن الذي كانت فيه المنطقتان لا تزالان تنتميان الى وطن واحد. لكن الذي حدث هو أنه ما إن أقيم خط السكة حتى اندلعت الحرب وحلّ الدم والقتل والدمار. وهذا كله نراه هنا من خلال نظرات لوقا المهندس. وهاوي القطارات الذي يعيش هنا مع ابن هو لاعب كرة قدم، وزوجة نصف مجنونة تريد أن تستعيد مجداً فقدته كمغنية أوبرا. إذاً، من حول هذا العالم الصغير في تلك القرية النائية التي يشرف فيها لوقا على محطة السكة لاستكمال المشروع، تعاش الحرب أول ما تعاش، على شكل مزحة. لكن مزحة ستصبح ثقيلة وسوداء بالتدريج. ولوقا المعادي بطبعه للحرب، لا يتنبه الى الأمر إلا شيئاً فشيئاً، بخاصة أن ابنه سرعان ما يجند، فيما تفر زوجته مع موسيقي شاب تاركة إياه وحيداً غير آسف عليها. غير أن كل العاصفة التي أثارتها الحرب لا تزعزع إيمان لوقا بالحب والجمال. وحتى حينما يخطف البوسنيون ابنه، إذ يحتدم القتال والصراع القومي والطائفي، يظل لوقا غير راغب في خوض الحرب بنفسه. وهنا يحدث له ما ليس في الحسبان، يخطف أبناء بلدته الصرب، فتاة مسلمة بوسنية هي «صباحا» ويعهدون بها إليه حتى يقايضها بابنه. يرفض أولاً ثم يقبل. لكنه بين ذاك وهذا، كان قد وقع في حب الفتاة.

واعتباراً من تلك اللحظة، يتّخذ الهذيان الذي كان - أصلاً - يسيطر على الفيلم من أوله، أبعاداً جديدة - ويعيش لوقا وصباحا حكاية حبهما وسط عالم شديد العدائية. طبعاً لن نوصل الحكاية هنا الى آخرها، وإلا لأفقدنا السياق مفاجآته الكثيرة. فقط نقول إن كوستوريتسا بنى من حول هذا الموضوع الشكسبيري بامتياز عالماً خاصاً به، عالماً فيه الموسيقى والكوميديا السوداء، فيه المعجزات التي تحدث من دون توقّع والدمار الذي يأتي من حيث لا يعرف أحد. لكنه أيضاً بنى عالماً، يشكل الحيوان، على أنواعه، جزءاً أساسياً منه.

من الحمارة التي تريد الانتحار لأن حبيبها الحمار غاب، الى الأحصنة الى الدجاج الذي يملأ كل مكان، والعصافير والقطط والكلاب. هنا أيضاً كما في عالم لوحات شاغال، للحيوانات دور أساسي، حتى في تفسير مزاجية الشخصيات، وكذلك للبيوت دور أساسي، وللطبيعة دور الحاضن لهذا كله. الطبيعة الجميلة والتي كان يفترض بالقطار المنشأ أن يأتي ليصل بين أجزائها، فإذا به يأتي ليقطعها إربا كما تفعل القذائف والعواطف والأحقاد.

في فيلمه الساحر هذا، وقف أمير كوستوريتسا، مرة أخرى، مع الحب والموسيقى والحلم ضد بشاعة الحرب وتدميرها الداخلي والخارجي للبشر. فهل يحتّم هذا الموقف على فنان من طينة كوستوريتسا، أن يعتبر من جانب البعض «صاحب أيديولوجية» مبهمة ويهاجم على هذا الأساس؟ هل كان عدلاً أن يندَّد بالفنان لأنه مع الحب ضد الحرب؟ نعم، فعل هذا كتاب في بعض الصحافة الفرنسية والأميركية قالوا هذا عن فيلم كوستوريتسا الجديد. وكان بعضهم قاله قبل سنوات عن فيلمه الأسبق «أندرغراوند». ولعلها المرة الأولى التي يحاكم فيها فنان لأنه يقف مع الحب ضد الحرب. وتلك أيضاً معجزة صغيرة. لكن معجزة سوداء يصحّ أن نقول إن صاحب «الحياة معجزة» لم يحسب لها حساباً، أو أنه حسب الحساب لكنه، كعادته، لم يبال!

تمت قراءته 267 مرات