العدد:787
تاريخ:18/ 10/ 2017
 

«رؤية الحزب الشيوعي السوري الموحد» حول مستقبل البلاد بعد الأزمة

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 بعد مقدمة مركزة حول ما آلت إليه الأوضاع بعد نحو سبع سنوات من الأحداث الدامية والمدمرة التي عصفت بسورية، دولة وأرضاً وشعباً، يطرح الحزب الشيوعي السوري الموحد بعض الأفكار والرؤى أمام الرأي العام، باعتبارها قضايا تهم الشعب والوطن، وإن حل تلك القضايا بسرعة يفتح الطريق أمام إزالة آثار الحرب والدمار الذي خلفته، أما القضايا المطروحة فيراها من خلال المحاور التالية:

في السياسة العامة

ويركز فيها على الدفاع عن الوطن وطرد الإرهابيين الغزاة وتحرير الأجزاء التي ماتزال تحت سيطرتهم، فضلاً عن تحرير الجولان، واستمرار مساعدة الشعب الفلسطيني، والوقوف بحزم أمام أي ظاهرة انفصالية أو تقسيمية في سورية وفي أي بلد عربي، مع النظر بروح تقدمية إلى مطالب الأقليات القومية وحقوقها.. إلى جانب السعي لاستنهاض وتقوية العلاقات مع الشعوب العربية، وإحياء الدور العربي والإقليمي لسورية، والانفتاح على العالم الخارجي، ودعم الجهود التي تقوم بها الدول المحبة للسلام.

في الوضع العام

العمل المستمر من أجل الحل السياسي ووقف نزيف الدم والدمار، وإشاعة روح التسامح والصفح، ونبذ مشاعر الانتقام والثأر، واستنهاض القيم الخيّرة والنبيلة لدى الشعب، والإفراج عن الموقوفين السياسيين، وتطبيق ما نص عليه الدستور، وإنهاء ظاهرة الاعتقال الكيفي، وتحديد مصير المفقودين والمخطوفين، ووقف التعدي على أرواح المواطنين وممتلكاتهم (ظاهرة التعفيش وأمراء الحرب) والتصدي للفكر التكفيري ومروجيه، وتثقيف الناشئة بالفكر التنويري والعلماني، ومساعدة المهجرين داخلياً والمهاجرين خارجياً، وتقديم التسهيلات لعودتهم، والحرص على رعاية أسر الشهداء ورعاية الجرحى.

في الإصلاح السياسي

الانتقال إلى النهج الديمقراطي التعددي وفق الدستور.. وهذا هو المدخل لتطبيق الإصلاحات السياسية. ومن هذا المنطلق تركز رؤية الحزب على اعتماد مبدأ المواطنة والمساواة بصرف النظر عن الانتماء الإثني أو الديني أو الطائفي أو الجنسي أو الحزبي، ويطالب أيضاً بتفعيل دور الجبهة الوطنية التقدمية، والفصل التام بين السلطات، وتحديد شكل نظام الحكم في النصوص الدستورية. ويرى الحزب من حيث المبدأ أن النظام المختلط الذي يجمع بين محاسن النظام الرئاسي ومحاسن النظام البرلماني هو الشكل الأنسب، ويطالب بتعديل قانون الجنسية والأحول الشخصية، بما يضمن المساواة بين الرجل والمرأة، وإجراء تعديلات على قوانين الأحزاب والانتخابات والإدارة المحلية، وإعطاء دور للشباب وللنساء في العملية السياسية، وتشجيع هيئات المجتمع المدني الوطني، وتنفيذ مقررات ومطالب المنظمات الشعبية والنقابية. كما يسلط الضوء على الفساد باعتباره آفة اجتماعية واقتصادية تتحول إلى آفة سياسية وثقافة في المجتمع.. وجعل المعركة ضد الفساد معركة وطنية، كما ينادي بمعالجة مسألة ثقافة المجتمع وإحلال النشاط الفكري الواعي محل الترويج للثقافة الدينية المتطرفة.

في الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي

يحذر الحزب من سوء الأوضاع المعيشية للمواطنين، ويطالب باتخاذ تدابير فورية تؤدي إلى تخفيض الأسعار من خلال قرار جماعي يتخذ من المنتجين والمستوردين والمستهلكين.

ويربط الحزب بين مفهومي النخبة والعدالة الاجتماعية، بحيث تكون الحاجات الأساسية الملحة هي المحرك الرئيسي لرسم السياسات الاقتصادية، ويرى أن النموذج الاقتصادي الأنسب للبلاد هو الاقتصاد التعددي الذي تقوده الدولة عبر التخطيط الاقتصادي والاجتماعي. ويشير إلى أن تبني خيار اقتصاد السوق الاجتماعي أضر بالاقتصاد وفتح الأبواب أمام تسرب الاقتصاد الليبرالي، ما يتطلب القطع مع هذا الخيار والانعطاف نحو حماية القطاع العام وتطوير دوره القيادي، وجعل إصلاحه قضية وطنية، ومنح أقصى التسهيلات للصناعيين والمزارعين والفلاحين لإنجاح الخطط الإنتاجية، وخلق البيئة اللازمة لزيادة استثمارات الدولة واستقطاب الرساميل الوطنية المهاجرة، وامتصاص البطالة، وتحسين نوعية الخدمات المقدمة في المناطق التي تعاني الفقر والمناطق المهمشة والضواحي والأرياف، وإيلاء القطاع الزراعي والثروة الحيوانية الاهتمام لتوفير الأمن الغذائي ودعم صغار الفلاحين. ويطالب الحزب بدعم القدرة على المساءلة والمحاسبة، والتركيز على دعم حرية الصحافة والنشر وحفظ سيادة القانون.

انطلاقاً من ذلك، يدعو الحزب إلى مؤتمر وطني يضم ممثلي القوى السياسية الوطنية والهيئات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وممثلي المعارضة الوطنية، بغية الوصول إلى عقد اجتماعي جديد يتفق فيه على تحديد الملامح الجديدة لسورية التي يتمتع شعبها بالحرية والعدالة الاجتماعية نحو الاشتراكية والعيش الرغيد.

التعقيب

بداية أتوجه بالشكر إلى قيادة الحزب الشيوعي السوري الموحد على مبادرتهم الوطنية الواعدة، كما أتقدم إليهم بالشكر على دعوتي للإسهام في هذا الجهد الوطني من أجل الوصول إلى عقد اجتماعي جديد عبر الحوار الوطني، بما يكفل تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية، وصولاً إلى تحقيق الاشتراكية والسعادة لأبناء الشعب والرفعة للوطن.

وفي إطار البداية أيضاً يهمني الإشارة إلى ما أورده الحزب في المقدمة، بأن تحول ميزان القوى الميداني والسياسي داخلياً وخارجياً لصالح سورية وحلف المقاومة لا يعني أن الأزمة انتهت، فطريق الحل السياسي الذي بات معبداً لاتزال أمامه خطوات كثيرة، منها ما هو مطلوب خارجياً ومنها ما هو مطلوب من سورية شعباً وجيشاً وحكومة و(جبهة) وقوى سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية.. ولعل المؤتمر الوطني المقترح يستطيع أن يضع النقاط على الحروف ويحدد ملامح مستقبل سورية، من خلال الحوار والجهد المشترك.. وهنا أيضاً ينبغي التأكيد على أن قوى الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لاتزال تعمل من أجل تنفيذ مشروعها الذي يستهدف سورية وطناً وشعباً ودولةً.. ولذا على من عاش حالة (الإنكار) منذ بداية الأحداث أن يكف عن ذلك، وأن يتخلى عن شعار (خلصت) لأنها بالفعل (لم تخلص)، ولن تتوقف الجهود الشيطانية لتفتيت شعب سورية والقضاء على وحدتها ما دام فيها حياة تنبض بالإرادة.

وإذا كنا لانزال في البداية، فإنني أرجو أن يتسع صدركم لبعض الملاحظات التي قد تبدو شكلية، إلا أنها تتصل بعمق الأزمة وبأصول ثقافتنا العامة:

1- يقول الحزب في رؤيته إن القوى الإمبريالية العالمية والرجعية العربية استغلت (بعض السياسات الداخلية القاصرة) لإحداث الدمار والتهجير وسفك الدماء..

وأنا أرى أن في تحديد المسألة في القول بأن هناك (بعض) السياسات القاصرة استُغلت من قبل تلك القوى، هو أمر يجانب الحقيقة، فالسياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية لم تكن قاصرة فقط، ولا يكفي أن نقول عنها إنها قاصرة، فقد كانت تلك السياسات ممنهجة ومخططة بدقة لتقوم بدورها المدمر والدموي والفتاك، وهي لا تقتصر على الاقتصاد، بل تمتد إلى السياسة والاجتماع والثقافة والممارسات الأمنية، وهذا ما آمل أن يصل إليه المؤتمر بعد التدقيق والتحليل.

2- يقول الحزب في رؤيته إنه يجب النظر بروح تقدمية إلى مطالب الأقليات القومية وحقوقها..

إنني مع العديد من المواطنين لا نقبل بتعبير (أقليات قومية)، إنما هناك مكونات لشعب سورية، هي ما يجب احترامه، فشعب سورية لا يضم أقليات، إنما يضم مكونات يجمعها العيش المشترك والمستقبل المشترك، تآلفت تاريخياً لتشكل ذلك النسيج الوطني الجامع لجميع فئاته.

3- يطلب الحزب في رؤيته تفعيل دور الجبهة الوطنية التقدمية.

وأرى أن ذلك يجب أن يسبقه مراجعة نقدية لهذا الدور، وحقيقة ما قامت به، ثم رسم دورها من خلال النظرة الشاملة للحل السياسي في سورية.

4- يقول الحزب إن تبني خيار اقتصاد السوق الاجتماعي قد أضر بالاقتصاد وفتح الأبواب أمام تسرب الاقتصاد الليبرالي.

والحقيقة ليس (اقتصاد السوق الاجتماعي) من أضر بالاقتصاد، فنهج اقتصاد السوق الاجتماعي بألوانه وأنواعه المختلفة، هو النهج الأمثل الذي استطاع أن يصل بالبلدان الأوربية إلى الازدهار والنمو الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، وهو اقتصاد يجمع ما بين مكونين أساسيين هما السوق والتخطيط (أو الدولة)، ولكن الذي أضر بالاقتصاد السوري، هم دعاة الليبرالية الاقتصادية الجديدة داخل الحكومة وفي أوساط القطاع الخاص المدعومين من المنظمات الدولية وخاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فهؤلاء هم من خططوا ونفذوا انحياز الحكومة السورية إلى الحلول المعلبة والمستوردة من الخارج، مستغلين في ذلك (الجهل) أو عدم المبالاة أو الارتباط من البعض، بحيث جرى (تزوير) الشعارات وإيهام الناس بأن ما تفعله الحكومة من ممارسات اقتصادية ليبرالية ومن انحياز تام لجانب الأغنياء والتجار والسماسرة، ومن وقف للدعم المقدم للمستهلكين والمنتجين الحقيقيين، بأن هذه الممارسات هي (اقتصاد السوق الاجتماعي)، وإذ يطالب الحزب في رؤيته ويدعو إلى حماية القطاع العام وتطويره، فإنه بالتحديد يطالب بما يتطلبه اقتصاد السوري الاجتماعي القائم على التزاوج بين القطاعين العام والخاص.

الرأي

في الوقت الذي أثني فيه على مبادرة الحزب الشيوعي السوري الموحد، بالدعوة إلى مؤتمر وطني للحوار، فإنني أتقدم بالمقترحات التالية:

1- إعداد ورقة خلفية توزع على المدعوين للحوار تضمن بوجه خاص ما يلي:

- دراسة موضوعية جادة تبين الأسباب والعوامل التي مهدت للأحداث الدامية والمدمرة في سورية (داخلياً وخارجياً)، وأرى أن البداية الصحيحة تكون باعتراف جميع الأطراف بالأخطاء المرتكبة، وعليهم أن يتحلوا بالشجاعة في ذلك.

- دراسة نقدية للأسباب التي حالت دون استكمال هيئة الحوار الوطني التي شكّلها السيد رئيس الجمهورية، لعملها، بعد انعقاد اللقاء التشاوري، والأسباب التي منعت الأخذ بتوصيات هذا اللقاء، وقطع الطريق أمام انعقاد مؤتمر وطني للحوار، وفقاً لمنظومة قرار تشكيل الهيئة، ومن خلال هذه الدراسة ونتائجها يمكن تلافي عوامل الفشل لعقد المؤتمر الوطني للحوار مسبقاً.

- تقديم مسودة وثيقة تتضمن المبادئ الأساسية لمشروع العقد الاجتماعي الجديد.

- تقديم مسودة وثيقة تتضمن المبادئ الدستورية العامة التي يستند عليها في إعداد الدستور الجديد.

- تقديم دراسة حول المهجرين والنازحين في الداخل والخارج، واقعهم ومستقبل أطفالهم ومعالجة أمر عودتهم.

- تشكيل لجنة تحضيرية من ممثلي أطراف المشاركين في الحوار، تتولى:

* إعداد الوثائق المطلوبة.

* تولي أعمال الترتيبات الخاصة بالإعداد للمؤتمر ومختلف الأعمال الإدارية والتنظيمية، وبضمن ذلك توزع المؤتمر إلى لجان متخصصة.

* إعداد مسودة التوصيات بالاعتماد على نتائج أعمال المؤتمر ولجانه.

ونشير هنا إلى أن العديد من المؤتمرات عُقدت في الداخل والخارج، وكذلك العديد من الدراسات قد أنجزت في مراكز البحث والدراسات وفي أجهزة المخابرات الخارجية في الدول المعنية.. ولابأس، بل من المفيد، أن يعد ملف يوزع على المؤتمرين، لوضعهم في صورة ما تم وما يحاك من ترتيبات لمستقبل سورية.

* أصبحت سورية بعد الأحداث الدامية مسرحاً تلتقي فيه جميع دول العالم، واستخدمت فيه الدبلوماسية الناعمة إلى جانب سلاح الإرهاب، وتقاطعت سياسات الدول الكبرى، ووصلت بعض هذه التقاطعات إلى حد الصدام.. وفي غمرة الأحداث ومن خلال ضرورات المعركة، استعانت الحكومة بالدول الصديقة وبعض التنظيمات السياسية الصديقة، كما استعان الإرهاب وممثلوه وقواه الدولية بجيوش وأسلحة وقوات ومساعدات مالية وخدمات لوجستية، وخلال ذلك جرى التوقيع على بعض الاتفاقات مع دول صديقة بعضها معلن وبعضها غير معلن.

والمطلوب بعد أن تهدأ المدافع ويتوقف إطلاق النار، أن تحدد سورية بدقة طبيعة علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع الدول الصديقة، وأن تعمل على تصويب وتضبيط علاقاتها الخارجية، بما يحفظ لها استقلالها وسيادتها، وهنا نقترح على اللجنة التحضيرية إعداد ملف حول العلاقات مع الخارج، متضمناً الاقتراحات اللازمة.

* استفاد الإرهاب ومشغلوه من الحالة الدينية السائدة، واستغلوا شعارات دينية من أجل تنفيذ مخططاتهم التكفيرية، والمطلوب الآن موقف رسمي وشعبيّ صريح وواضح من ذلك كله، تنقية للأجواء السياسية والشعبية، وكشفاً للشعارات الزائفة، الأمر الذي يستدعي إشاعة ثقافة مغايرة لثقافة التكفير ثقافة تجمع ولا تفرق، ثقافة تنهض بالوعي المجتمعي العام، ولا تحط من قدره.

وهنا أرى أن يخصص المؤتمر حيزاً مهماً لثقافة المجتمع، والمطلوب أن تُعد اللجنة التحضيرية ورقة خاصة لذلك.

* استخدم الخطاب الطائفي والعرقي والإثني والمذهبي استخداماً سيئاً، وأفرز تصرفات (فردية) أحدثت وقعاً سيئاً في المجتمع.. من أجل مواجهة ذلك أرى أن يخصص المؤتمر جلسة خاصة عنوانها الصراحة والوضوح لبحث المسألة بعمق ووضع الحلول المناسبة للمحافظة على النسيج الوطني، من خلال أجواء المصارحة والوطنية ابتداء من الاعتراف بالأخطاء، وانتهاء بمرحلة العدالة الانتقالية.

أرجو أن تحقق هذه المداخلة ما أردته، من أجل إنجاح مجهودكم لعقد المؤتمر الوطني للحوار، راجياً لكم المزيد من التقدم والنجاح.

أخيراً.. كان لصمود جيشنا الباسل والالتفاف الشعبي حوله الدور الأساسي في المحافظة على وحدة الأرض والشعب، فللشهداء الرحمة ولجرحانا الدعوة بالشفاء العاجل، وللمهاجرين والنازحين العودة العاجلة إلى ديارهم.

تمت قراءته 93 مرات
د. منير الحمش

عضو جمعية العلوم الاقتصادية