العدد:791
تاريخ:15/ 11/ 2017
 

التفكير بصورة مختلفة

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

 إن الجماعات البشرية والشعوب ستظل تفكر بشكل مختلف، وإن هذه الاختلافات ذات جذور موغلة في الأبعاد التاريخية والبيئية والاجتماعية، وإنها تتضافر في النهاية لتشكل خلاصة الثقافات الإنسانية بتنوعاتها وثرائها اللامحدود.

لقد مضى حين من الدهر روج فيه الفكر الغربي إبان سطوته الكولونيالية وهيمنته الفكرية والثقافية، بأن أنماط الفكر واحدة، سواء في الغرب أم الشرق، وأن آلية التفكير البشري ذات طبيعة كونية أو كلية.. ومن هنا فقد ران على أدبيات الفكر الغربي إمكانية وضع شعوب العالم في سلة واحدة وقيادتهم جميعاً بذات السياسات والأساليب التي تحكم الذهنية الغربية..
ويبدو أن أسس الفكر الأرسطي منذ الإغريق وإرساءه لقواعد الفكر وآلية المنطق، كان عاملاً مساعداً لترسيخ هذه الفرضية وإطرادها..
بيد أن الحراك الثقافي في هذا القرن، والزخم الهائل للمعلوماتية وثورة الاتصالات، بدأت جميعها تؤسس للخروج من الفكر الغربي (الحداثي!)، الذي بات فكراً تقليدياً وعرضة للنقد والتفكيك، في ظل عولمة قلقة تبحث عن شكل من التعايش والمواءمة.

لقد تم دحض فرضية أن آلية التفكير وأسسها واحدة لدى البشر، وظهر جلياً أن الثقافات والشعوب والجماعات البشرية تفكر كل منها بطريقة مختلفة، تبعاً لأصولها البيئية الطبيعية والمجتمعية الممتدة في الزمان والمكان..
وإن الفرق في التوجهات والسلوكيات والتصورات والمعتقدات، ما هي إلا ثمرة من ثمار الاختلاف في طرائق التفكير المتوارثة عبر الأجيال، والمتأصلة كسمات نفسية وعقلية لدى الشعوب والمجتمعات.

لا شك أن مدى الاختلافات في المواقف والاتجاهات والسلوكيات وأساليب التفكير إزاء الأحداث والمشاهدات والتجارب الحياتية المعيشية تعود بالدرجة الأولى إلى الجذور الفلسفية للشعوب.

لقد ورث الأوربيون عن الإغريق قدرة الإحساس بالذاتية الفردية وتميزها ككيان مستقل، ولذلك فقد عظم لديهم الإحساس بالفوارق الفردية، وبأنهم مسؤولون عن حياتهم، وأحرار في اختياراتهم، ويرون أن الإشباع والسعادة لدى الفرد يكمنان في قدرته على ممارسة إمكاناته وقدراته لتحقيق التميز والكمال في صورة حياة لا تعرف الضغوط والقيود.
وكذلك هم ميالون لرؤية العالم مكوناً من موضوعات متمايزة وغير مترابطة، تحتمل المناورة حولها، والجدل إزاء صحتها وخطئها أو قبولها ورفضها.

أما الأساس الفلسفي لشعوب الشرق الآسيوية فيعود إلى مصادر مختلفة منها الطاوية والكونفوشيوسية والبوذية والإسلامية وغيرها.

لقد أكدت هذه الفلسفات على التناغم (الهارموني) والتكامل بين عناصر الطبيعة والكون، ورأت العالم مؤلفاً من جواهر متفاعلة ومتناغمة، بما فيها الإنسان في علاقته مع بيئته ووسطه أو علاقته مع غيره من البشر.

فالشرقي مثلاً عضو من مجموعة كالعشيرة، أو القرية، أو الأسرة، ولا يتصور نفسه ذاتاً منفردة أو مستقلة.. ولذلك فالسعادة لدى الفرد تكمن في إشباع مصالح عامة للمجموعة على نحو متناغم ضمن شبكة اجتماعية.

لقد اتضحت انعكاسات هذا الفكر الفلسفي المتباين بين الأوربيين والشرقيين جلياً في العادات والممارسات الاجتماعية. فبسبب سطوة المنطق عند الإغريق، اعتاد الأوربي الجدل، والانتصار للرأي أو نقيضه..
والمجادل لا يرضى عادة بأنصاف الحلول أو التفاوض حول ما يعتقد.. وغالباً ما يستعمل لغة مباشرة ومحددة وذات دلالة قاطعة.. أما الشرقي الذي ورث الاستعداد للتناغم مع مجموعته فينزع - حين يلمس تعارضاً في  الآراء- إلى حسم التناقض أو تمريره عبر طريق وسطي بصورة عامة.

كذلك، فإن الحفاظ على العلاقات الاجتماعية في تناغم له الأسبقية على أي إنجاز شخصي، الأمر الذي يغدو فيه التميز الفردي أمراً غير مستحسن في ذاته. أما الشعور بالرضا عن النفس فمقترن على الأرجح بالتناغم مع رغبات الجماعة والوفاء بمتطلباتها.

ويميل الشرقيون إلى وضع اعتبار للتوافق مع مشاعر الآخرين ومشاركتهم هذه المشاعر، وهم على عكس الأوربي الذي يتقصى الوضوح في توصيل الأفكار بكلمات دقيقة وحاسمة، يميل الشرقي إلى التورية واللغة الإشارية، وطالما عانى الغربيون من صعوبة فهم أبناء الشرق والبقاء في حالة من اللبس إزاء تلميحاتهم ومقاصدهم.

وتتضح الاختلافات في آليات التفكير بين الشرق والغرب في مجالات وحقول معرفية متعددة مثل القانون، والجدل، والطب، والعلم، وحقوق الإنسان، والدين.. إلخ.

أما القانون، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، تتم معالجة النزاعات بين الأفراد بالمواجهات القانونية والاعتماد على تطبيق مبدأ العدالة الذي يرون أنه الإجراء الحاسم لبيان الحق من الباطل، والخاسر من الفائز.
أما بالنسبة لشعوب الشرق، فإنهم ينزعون إلى (الوساطة) بين المتخاصمين، ويرون أن الهدف من حسم النزاع هو على الأرجح خفض مستوى العداوة، كما أن التوفيق بين الخصوم هو النتيجة المرجحة.

أما مفهوم حقوق الإنسان، فيبدو أنه مفهوم غربي صرف. إن الغربيين يرون أن ثمة نوعاً واحداً فقط للعلاقة بين الفرد والدولة، وأنه وحده الصحيح والملائم، فالأفراد حسب هذا المفهوم، وحدات منفصلة تدخل معاً في عقد اجتماعي مبرم بينهم وبين الدولة وبين بعضهم بعضاً، ما يترتب عليه حقوق معينة وحريات والتزامات،
ولكن غالبية شعوب الشرق لا ترى المجتمعات حاصل جمع أفراد، بل كتلة مكونة من كائنات مندغمة.. ونتيجة لذلك فإن مفهوم حقوق الإنسان كشيء أصيل للفرد نادر وغير موجود..
وغالباً ما تقدم مصلحة الجماعة ومعتقداتها وأعرافها على مصلحة الفرد وحريته وحقوقه الذاتية، ومن جهة فإن الكثير من شعوب الشرق لها اعتراضاتها على السلوك الغربي، خاصة فيما يتعلق بالجريمة والعنف والإباحية الجنسية، ويستهجنون تمريرها تحت مسميات حرية التصرف وحرية الرأي.

لا شك أن العالم يميل أن يكون على طريق التلاقي والتقارب وليس التنافر والصدام.. فالصلات بين الشعوب أصبحت في العصر الراهن أوسع من أي وقت مضى. لقد أصبح العالم صغيراً جداً، وإن الاحتكاك بين الشرق والغرب، الذي يوفره تطور وسائل النقل والاتصال، وتشابك المصالح، لابد وأن يكون له أثره في هذا التلاقي، الذي يمكن أن نرى طلائعه بصورة ملموسة حالياً،
ومنها قبول الشرق للكثير من منتجات الغرب واسعة الانتشار سواء في الفكر أو الموسيقا أو الفنون أو المأكل أو الملبس وأنماط الحياة، وبات الغربي بالمقابل يتقبل أدبيات الشرق وفلسفاته، ويقبل على الأطعمة الشرقية وغيرها..
وإذا كانت الممارسات والقيم والمعتقدات الاجتماعية والأفكار العلمية مآلها إلى تلاق، فيمكن لنا أن نتوقع أن الاختلافات في عمليات الفكر ستبدأ باتخاذ طابع آخر، وأن الشرق والغرب يمكن أن يسهما في نشوء عالم هو مزيج وخلاصة لأفضل ما في كليهما.

من كل ما تقدم، ألا يجب أن نفكر نحن العرب وأن نتأمل واقعنا الثقافي وتراثنا في ضوء دراسة عقلانية نقدية تجريبية تفتح مجالاً واسعاً لفهم الفكر أو العقل العربي:
كيف يفكر العربي؟ وكيف يرى العالم؟ وما الجذور الثقافية للمعرفة والتفكير العربي ورصيده التاريخي الفاعل والمؤثر؟ وإلى أي مدى تدعم أو تعوق هذه الذهنية العربية حركة التطوير الحضاري؟

وجدير أن على العرب النهوض بهذه الدراسة بدلاً من أن يظل مجالها مساحة صامتة، أو بدلاً من أن ينجزها غيرهم، فيكونون موضوعاً لا ذاتاً فاعلة.

 

تمت قراءته 136 مرات