العدد:799
تاريخ:17/ 1/ 2018
 

آدم سميث يتململ في قبره

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

آدم سميث هو اقتصادي اسكتلندي عاش في الفترة 1723- 1790 م، له العديد من المؤلفات التي وضعته في سياق وصفين: الأول اقتصادي مهتم بالاقتصاد السياسي، والثاني فيلسوف أخلاقي. من مؤلفاته: (نظرية الوجدان الأخلاقي)، (العمل والتجارة)، والمؤلف الأكثر شهرة هو: (ثروة الأمم).

يعتبر آدم سميث من رواد ما اصطلح على تسميته بالاقتصاد السياسي الكلاسيكي، إلى جانب توماس مالتوس، وديفيد ريكاردو، وجون ستيوارت ميل.

لقد مثلت أدبيات سميث انتفاضة على فكر الإقطاع وما سمي بالاقتصاد الطبيعي، وشكلت رافعةً نظرية لاقتصاد السوق الذي عممته البرجوازية إبان انتصارها على الإقطاع.

يمكننا الإضاءة على مجموعة من المفاهيم والأفكار الأساسية التي ارتبطت مباشرة بآدم سميث، والتي اعتُمد عليها بشكل كبير فيما بعد على يد مجموعة من المنظرين لليبرالية الاقتصادية، أمثال فريدريك هايك (الذي اعتبر أن الاشتراكية هي الطريق إلى الرق)، ولودفيغ ميزس (الذي اعتبر أن أي حرية لا تنطلق من حرية الفرد والحرية الاقتصادية تحديداً له هي حرية غير متحققة)، وميلتون فريدمان (الذي اعتبر أن القطاع العام فاشل كفكرة ووصفه أنه لو استثمر في الصحراء فسيشكو نقصاً في الرمال).

• تحدث آدم سميث عن نظرية اليد الخفية، التي عبر من خلالها عن رؤيته لتطور المجتمعات، وذلك من خلال حرص الفرد على مصلحته الخاصة ورعايته المباشرة لها، ومن خلال هذا الحرص يضطر جميع الأفراد إلى التبادل ضمن عملية السوق. (نحن لا نراهن على نزعة الخير عند بائع الخضار أو الجزار أو ...، نراهن على حرصهم على مصلحتهم الخاصة). لقد رأى سميث أن الحرص الفردي على المصلحة الفردية يعمل محركاً خفيّاً لبناء المجتمعات وتبادل الأفراد المنفعة ضمن عملية السوق.

• كسر الحواجز في تبادل السلع بين الأمم، فإن كان ما يتم إنتاجه في الخارج أقل تكلفة من إنتاجه في الداخل فالأسلم شراؤه لا تصنيعه. وحتى تكتمل عملية التبادل بين الأمم لا بد لكل أمة أن تتميز في إنتاج سلعي ما يضعها على خارطة التبادل، وهذا بحد ذاته يضرب فكرة التبادل الحر نفسها.

• يرى سميث أن ثروة كل أمة تقاس بإنتاجيتها، وربط الإنتاجية بتقسيم العمل، واعتبر أن التقسيم المطرد للعمل إلى وحدات أصغر وأصغر يسهل العملية الإنتاجية ويزيدها كمياً.

• إن ارتفاع الطلب على سلعة ما، يعني أن الأرباح التي ستتحقق للمستثمر ستصبح أعلى، لذلك على المستثمر في هذا الحالة إخفاء الأمر مما يسمح له بزيادة أرباحه من جهة، ومنع تشكل منافسين من جهة أخرى.

• يعتبر سميث أن أي اختراع أو إنتاج يقلل من العمل أو الوقت اللازم لإنتاج أية سلعة هو سر من أسرار الصناعة وحقٌّ خاصّ لمنتجه.

• عند منح الدولة امتيازات احتكارية لفرد أو لشركة ينزع الاحتكار تلقائياً نحو التحكم في الإنتاج بحيث لا يخضع هذا المنتج الاحتكاري لقوانين العرض والطلب التي تؤدي إلى الإقلال من سعر السلعة التي عليها طلب متزايد. وعلى العكس، يحبس المنتج الاحتكاري إنتاجه بحيث لا يستجيب لحجم الطلب القائم كي يتمكن من بيع إنتاجه بسعر أعلى من الذي يمكن أن يوفره حجم الطلب الحقيقي، ويسلك كما لو أن هناك ضعفاً في الطلب ويرفع السعر؛ وهو يستطيع القيام بذلك بسهولة لأنه سيطر على السوق.

بالعودة إلى أفكار سميث، هل فعلاً للسوق قوة ذاتية، تدير عمليات التبادل بشكل تلقائي دون تدخل؟ هل تظهّر هذا النموذج في التاريخ؟ إن نظرية اليد الخفية هي تكريس لمزيد من الوهم، وهم النظرية الخيالية (السوق الحر)، فالانطلاق من الفرد، الانطلاق من المصلحة الخاصة لا يمكن له أن يشكل قوة تلقائية، لا يمكن له إلا أن ينجب نهباً (مقونناً)، احتكاراً يشرع في بنود قانونية. الانطلاق من المصلحة الخاصة هو الذي حول الاقتصاد العالمي إلى صالة قمار كبيرة أعطوها اسماً أكثر لياقة (البورصة). الانطلاق من المصلحة الخاصة هو عنصر الارتكاز في تكريس آليات النهب والاستلاب التي أعطوها اسماً أكثر لياقة كذلك (التسويق)، الانطلاق من الفرد هو التدمير للفرد وللمجموع.

توفي آدم سميث في 17 تموز (يوليو) 1790 تاركاً وراءه إرثاً نظرياً أثبت التاريخ الدمار الاجتماعي الناجم عنه، لم يتململ سميث في قبره عام 2008 فقط عند أزمات ما أسموها الأزمة المالية (أزمة المشتقات المالية)، في الوقت الذي عبرت عنه تلك الأزمة عن أزمة نظام شمولي يدير علاقات الإنتاج، والثقافة والاجتماع عالمياً. فقد تململ قبلها عام 1929م عندما تكدست البضائع الأمريكية لأنها لا تجد لها أسواقاً، فشلت عندئذٍ آليات الانطلاق من المصلحة الخاصة، وفشلت آليات التسويق، وتكدس العاطلون عن العمل في شوارع أمريكا، وأعلنت العديد من المعامل والمصانع إفلاسها، ولم يكن الحل الجزئي من واقع أدبيات الاقتصاد الحر، لقد كان اقتباساً من أدبيات الاقتصاد الموجه في زيادة الإنفاق الحكومي على يد المنظّر الرأسمالي الآخر جون كينز.

عندما يجري الحديث عن تبادل حر بين الأمم، فلذلك حاضنة تعرفه، وتحدد معنى (الحرّ) فيه، ليس هناك من تبادل حر مع استمرار الهيمنة على اقتصادات دول الجنوب (إمبريالياً)، ليس هناك من تبادل حر بين من يملك ومن لا يملك، من ينتج ومن لا ينتج، هذا هو التبادل الحر باتجاه واحد، هذا لا يعبر عن التبادل الحر الكريم والمفتوح بين الأمم، وإنما يعبر عن إجهاز على الأفراد غير المستعدين له في بلدهم، وإجهاز على الأمم غير المستعدة له على المستوى العالمي.

إن التقسيم المطرد للعمل إلى وحدات صغيرة لرفع الإنتاجية غرَّب العامل، فانطلاقاً من المصلحة الخاصة يصبح هذا التقسيم أكثر جدوى، أكثر ربحية، وعندئذٍ في داخل وحدة العمل الصغيرة نفسها، ينشأ الـ (Career path)، ويصبح العامل برنامجاً حاسوبياً لعمل مكرر، لا تتعدد فيه مهارات العمل، وتختفي عنه الدهشة، واختفاء الدهشة تعني الموت، الموت في قبر لن يتململ حتى.

في الوقت الذي كانت فيه الاختراعات الجديدة تحتاج إلى أدبيات جديدة، كان آدم سميث أحد من أنتجها، وأصبحت اليوم محمية بقانون (الملكية الفكرية)، وأصبح لها أخلاق يشعر بها حتى الفقراء، وأصبحت لها قوانين احتكار تشرعن حقها في التفرد، وتجذر الفرد في وعي الفرد، كل ذلك ولم يولد الاقتصاد الحر، ولم تتحرك اليد الخفية إلا في سياق المؤامرات وليس في سياق ولادة تلقائية لوجدان اقتصادي أخلاقي، والمصلحة الخاصة قادت العالم إلى الحروب، وحصلنا جميعاً على عشاء مسموم.

في 17/7/1790 توفي آدم سميث... قيل إنه تململ في قبره مع أزمة 2008... واليوم في حال أنجزنا ما هو ضروري، وتخلَّيْنا عن فكرة الفرد لصالح فكرة المجموع سيكتب على قبره: (مات إلى الأبد)!

عن مجلة (راديكال) 

تمت قراءته 130 مرات