العدد:811
تاريخ:18/ 4/ 2018
 

فلنبدأ بالزراعة والصناعة!

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

حين تخسر قوة العمل السورية نحو مليوني فرصة عمل، وترتفع نسبة البطالة إلى أكثر من 45%، ويتحول نصف سكان سورية إلى خانة الفقر، منهم نحو 3 ملايين مواطن في خانة الفقر الشديد، ويتراجع الاستهلاك العام بين أعوام 2011 و2017 بنسبة تقدر بنحو60%، ويتراجع الاستهلاك الخاص بنحو 56%، وتبلغ خسائر الأزمة والغزو الإرهابي نحو 400 مليار دولار حتى نهاية عام 2017 وتستمر سورية بالوقوف، رغم التداعيات المعيشية والاجتماعية التي تعكسها هذه الأرقام، فهذا يعني شيئاً واحداً: أنها قادرة عند انتهاء هذه الأزمة على مداواة جراحها، والانطلاق إلى المستقبل.

إن العامل الأبرز في الصمود والانطلاق هي جماهير الشعب السوري العظيم، التي نزفت، وهُجّرت، واقتربت من حافة الجوع، بعد الحصار الجائر الذي فرضته الإمبريالية الأمريكية وشركاؤها، لكنها مازالت صامدة من أجل تحقيق طموحها بمستقبل ديمقراطي.. علماني.. يعيد إنهاض سورية اقتصادياً، ويحقق لها العدالة الاجتماعية بعد سبع سنوات من المعاناة.

فلنبدأ بتأمين مستلزمات الإنتاج لهذين القطاعين، وعدم ترك هذا الأمر للقطاع الخاص، وجدولة قروض المزارعين والصناعيين، وتسهيل إقراضهم من جديد، والعمل على إيجاد أسواق لمنتجاتنا في أسواق الدول الصديقة، وزيادة رواتب العمال وأجورهم وتعويضاتهم، وتحسين أوضاعهم المعيشية.

حين نكرر أهمية مساعدة هذين القطاعين، فلأننا ندرك دورهما في قَطْرِ بقية القطاعات المنتجة الأخرى، إضافة إلى تخفيف أعباء الاستيراد من الخارج في هذا الوقت الصعب.. ولأنهما القادرين على خلق مئات ألوف فرص العمل التي تساعد على تقليص نسب البطالة والفقر، وزيادة الاستهلاك العام والخاص.

من البديهي أن تضع أية دولة في العالم أوليات لاستثماراتها العامة والخاصة، تنسجم مع المرحلة التي يمر بها اقتصادها، وهذا ما يسمى في عالم الاقتصاد بتوجيه الاستثمارات.

في العقد الماضي شجعت الحكومات المستثمرين.. وأصحاب الرساميل العربية والأجنبية، فتوجهت هذه الاستثمارات إلى القطاعات الريعية، وعُرضت المواقع السياحية والمشاريع على المستثمرين لتوظيف أموالهم في تلك المشاريع، وقد أثمرت تلك الجهود عن توقيع  العقود مع البعض، كما روجت الحكومة لاقتراحات أمام مجموعات من المستثمرين العرب لجذبهم إلى الاستثمار في مشاريع عقارية من فئات النجوم التي تزيد عن خمسة، لكننا لم نتلمس جهداً موازياً لتطوير الصناعة السورية بقطاعيها العام والخاص، ومساعدتها، خاصة في القطاع العام، لتحديث وسائلها التقنية،  وتطوير قدراتها الإنتاجية، ورفدها بالتكنولوجيا الحديثة، وهكذا عبّر النمو الذي وصل بين أعوام 2006و 2010، إلى نحو6%، عن تنامي حصة الرساميل الريعية في الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع مساهمة الاقتصاد الحقيقي الذي تشكل الزراعة والصناعة أبرز قطاعاته. حينذاك، طالبنا الحكومات المتعاقبة باجتذاب الرساميل الوطنية المنتجة لا الرساميل الريعية، عبر شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص المنتج، للمساهمة في المشاريع الحكومية المدرجة في خطط الدولة الخمسية، بهدف تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية عن طريق تجديد هياكل البنى الاقتصادية الرئيسية كالزراعة والصناعة، وإنشاء البنية التحتية اللازمة للقطاعات الإنتاجية وتأهيلها، وإنشاء مستلزمات التنمية الاجتماعية وتجديدها، كالمدارس والجامعات ومراكز التأهيل المهني، خاصة في المناطق المظلومة، وذلك وفق صيغة تضمن عائداً مقبولاً للرأسمال الخاص المستثمَر، وتتيح للحكومة تنفيذ خططها التنموية، واستمرار سيادتها كممثل للشعب على القطاع العام والمرافق الحيوية، إلاّ أن مهندسي الاقتصاد السوري آنذاك، اختصروا مبدأ المشاركة بين القطاع العام والخاص، بمنح صناعات أساسية يملكها القطاع العام، وبعض المرافق الاستراتيجية للقطاع الخاص الوطني والأجنبي بهدف استثمارها وفق أسلوب  (بي. أو. تي)، أي البناء والتشغيل لمدة يتفق عليها مع الحكومة، ثم إعادة هذه المرافق بعد (عمر طويل) إلى الدولة.

 الأزمة وغزو الإرهاب عصفا باستقرار بلادنا. سبع سنوات والدماء سالت في مختلف المناطق، ويستمر التخريب الإرهابي المتعمد لكل ما أنجزته أيدي السوريين في العقود الماضية، وتتساقط منشآتنا الحيوية وقطاعاتنا المنتجة.. وغدا كثير من بيوت المواطنين وأملاكهم مهدمة.. أو محروقة.

لقد تسببت الأزمة بأضرار بالغة لقطاعات الإنتاج.. والرساميل.. والمصارف.. والاستثمارات.. والاستهلاك.. والادخار، أي بكلمة واحدة تراجعت جميع المؤشرات الاقتصادية، وخاصة في ظل الحصار الاقتصادي الجائر الذي فرضته الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها على سورية.

أما في الشق الاجتماعي، فكان أبرز التداعيات ارتفاع نسب الفقر والبطالة والهجرة الداخلية والخارجية، وما أدت إليه من معاناة شديدة مستمرة، أفقرت المواطنين السوريين.

لذلك نعتقد أن جوهر مبدأ التشاركية في الوقت الراهن عليه أن يتسع لمضامين أوسع، تأخذ بالحسبان لا المشاركة بين الدولة والقطاع الخاص المنتج في هذا المصنع أو ذاك.. أو تطوير حقل نفطي أو غازي في هذه المحافظة أو تلك، بل يتسع ليشمل شراكة حقيقية من أجل إعادة إنهاض الاقتصاد السوري وقطاعاته المنتجة، وخاصة الصناعة والزراعة وبنيتهما التحتية، وتطوير المرافق العامة، وإعادة إعمار ما خربته تداعيات الأزمة على الصعيد الوطني.

حتى اليوم لم نلمس تأثيراً يذكر لمبدأ (التشاركية) الذي أقرته الحكومة منذ سنتين نهجاً للشراكة بين الرساميل الوطنية والحكومة، وقد يكون السبب في ذلك تخوف الرساميل الخاصة من الاستثمار في البلاد قبل وضع نقطة النهاية للأزمة والغزو الإرهابي، لكن دروس.. العقد الماضي وعِبَرَه تتطلب من الحكومة توجيه هذه الرساميل نحو الزراعة والصناعة بالدرجة الأولى.

لقد أكدنا.. وما زلنا نؤكد ضرورة المضي في إنجاح المساعي الدولية لحل الأزمة سلمياً، وأهمية جمع كلمة السوريين، بمختلف انتماءاتهم السياسية والاجتماعية والدينية عبر حوار وطني شامل، للتوافق على وقف النزيف والدمار والتهجير.. والالتفات إلى إعادة إعمار سورية، ومداواة جراح جماهيرها الشعبية.

إن استمرار نزيف الدماء، يعني مزيداً من المعاناة وزيادة الخسائر، كما يعني تقلّص قدرة هذه الجماهير على تحمّل هذه الأوضاع الاستثنائية.

وبانتظار نجاح هذه المساعي الخارجية والداخلية السلمية، نطالب الحكومة بالتركيز على دعم الزراعة الصناعة في قطاعيها الخاص والعام، فهما القادران على توليد فرص عمل جديدة، بعد طرد الإرهابيين واستعادة نحو 90% من الأرض السورية.

هناك من يراهن على استحالة القيامة، والبعض يأخذ الشعب السوري إلى حالة اليأس، لكننا واثقون بالمعجزات التي سيصنعها شعبنا إذا ما وضعت الحكومة الخطط الصحيحة لإعادة إعمار بلادنا.

تمت قراءته 403 مرات