العدد:793
تاريخ:6/ 12/ 2017
 

الأجور.. وتكاليف المعيشة

قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)

تعدّ سياسة الأجور من أهم السياسات التي تنتهجها الحكومات لتحقيق جزء من العدالة الاجتماعية، ولتأمين الحاجات الأساسية للمواطنين، من تعليم وصحة وعمل وحريات، وكلما كان الحد الأدنى للأجور يلامس متطلبات العيش الكريم المحترم، كانت هذه السياسة صحيحة وبنّاءة، بينما كلما زادت الفجوة بين الأجور والمتطلبات، أدّى ذلك إلى أمراض اجتماعية واقتصادية، وهكذا فالفجوة بين الأجر الممنوح ومتطلبات العيش الكريم هي مؤشر مهم جداً، وهدف الحكومات من سياساتها التنموية، هو ردم هذه الفجوة وزيادة الأجور، بمعدلات تحقق الرفاهية للمواطنين. وفي سورية قدّر المكتب المركزي للإحصاء في عام 2009 متوسط إنفاق الأسرة السورية المؤلفة من 5 أشخاص، شهرياً بحوالي 30 ألف ليرة سورية، بينما لم يتجاوز متوسط دخل الفرد في حينها حدود الـ 11400 ليرة سورية شهرياً، في القطاعين العام والخاص سوية. فالخلل بين الأجور ومتطلبات المعيشة سابق للأزمة، وقد كان خللاً بنيوياً، لكن الفجوة اتسعت اتساعاً كبيراً بفعل الأزمة وما نجم عنها من تضخّم أسعار لم يترافق مع زيادة مناسبة بحجم الأجور، وهذا ما نستدل عنه من خلال مقارنة حجم الأرباح بالأجور بين عامي 2010 و2016، فقد كانت نسبة الأرباح عام 2010 تقدر بــ 75%، بينما كانت الأجور 25%، وأصبحت الأرباح 89% عام 2016 مقابل 11% للأجور، وهذا دليل على ارتفاع الأسعار مقابل انخفاض الأجور، على الرغم من التضخم الحاصل والمقدر بحوالي 1100 %، وهذا لا يختلف مع دراسات المكتب المركزي للإحصاء الذي قدّر تكاليف المعيشة للأسرة السورية بـ 203 آلاف ليرة في شهر آب لعام 2016 مقارنةً بسنة الأساس 2010، وزادها أول العام الحالي بسبب ارتفاع نسبة الأسعار مع ثبات الأجور، ما يعني أنه يجب مضاعفة وسطي الأجور البالغ 26 ألفاً عام 2016 بنسبة تسعة أضعاف لتستطيع الأسرة تغطية احتياجاتها، وفق الأرقام الحكومية، وهو ما يعني أن المبلغ المطلوب لأسرة مؤلفة من 5 أشخاص يبلغ حوالي 300 ألف ليرة سورية، وهذا المبلغ يختلف من أسرة إلى أخرى حسب مكان السكن وتكاليف الانتقال وحسب الحالة الصحية وغيرها، وبذلك فإن حجم المداخيل التي تحتاجها الأسرة لتكون فوق خط الفقر يتراوح بين 250 و300 ألف ليرة، مع عدم نسيان ما تعنيه الطبقة الوسطى من متطلبات كونها موازنة للمجتمع وأسّ للانطلاقة الصحيحة. وحسب إحصائيات الأمم المتحدة يكون الشخص بحاجة إلى دولارين يومياً ليكون فوق خط الفقر، وإلى دولار واحد ليكون بسويّة الفقر المدقع..

لا يمكن نكران الدور السلبي الكبير للحرب على مختلف نواحي الحياة وبضمنها الاقتصادية، لكنه لم يكن التأثير الوحيد لزيادة الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، رغم أن خسارة الاقتصاد السوري بلغت حوالي 300 مليار دولار، من خلال تدمير آلاف المنشآت وملايين المباني وآلاف المدارس ومئات المستشفيات والجسور، وخروج أغلب الأراضي الزراعية من الخدمة أو من السيطرة، وسرقة ونهب المحاصيل، وكذلك تهريب مليارات الدولارات. وحسب الإحصاءات فقد هُرّب إلى لبنان فقط أكثر من 16 مليار دولار، وكذلك لا ننسى ما استنزفته البلاد من تكاليف للتسليح وغيرها، ورغم ذلك فإن للعقلية التي أدير بها الاقتصاد أثر موازٍ وكبير، كما كان لقوى الضغط من مراكز قوى اقتصادية تأثير واضح أيضاً على القرارات، وتلمّسنا ذلك من خلال رفع أسعار الأسمنت والأسمدة والأدوية، مصحوباً بعرقلة عمل معامل القطاع العام التي تنتج هذه المواد نفسها.

وبالتالي فإن استمرار عقلية مراضاة بعض القوى الاقتصادية، ومحاباتها، يزيد من المعاناة ويضخّم الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، فمن خلال الأزمة قلّ عرض المواد وتقلّصت الموارد، لكن الموضوع بدأ من أول الأزمة عندما كانت هناك مخازين تكفي لسنوات، وكان هناك احتياطي نقدي يفوق الـ25 مليار دولار عدا الذهب، هذا الاحتياطي هُدر جزء منه عبر قرارات غير مفهومة، واستمر الهدر عبر سياسات نقدية تعاكس الواقع وتخالف الحاجة الأزموية للبلاد، وسط تغاضٍ واضح عن هذه السياسة التي دمرت مدخرات المواطنين، وكانت دافعاً لرفع متوالٍ للأسعار، ومحاباة لدواعش الداخل، الذين لا يريدون للحرب أن تنتهي، ويراهنون على السقوط والانهيار الاقتصادي للبلاد، واستمرت هذه السياسات التي تحابي من اكتنز الدولار على حساب الليرة السورية، وتحابي من جلس على التلة في الخارج يشاهد ما يحصل، وتحابي من هرّب أمواله ودولاراته، كذلك لم تكن السياسات الاقتصادية بأفضل، وخاصة وزارة حماية المستهلك التي أنشئت لهذا الدور، فكانت استمرارية للترهل والفساد الذي كان قبل الأزمة، ولم تستطع التدخل بنحو يغيّر أسعار السوق ويضبط محتكري المواد الذين كانت تعتمد عليهم الوزارة لتوريد موادها، بدلاً من تفعيل دور مؤسسات التجارة الخارجية، وبالتالي فإن ما يسمى مؤسسات التدخل الإيجابي لم تكن تتدخل، وغالباً كانت تتدخل بما يكرّس أسعار محتكري المواد، وأغلب عقوباتها لم تكن وسيلة ردعية، وإنما غاية بحد ذاتها، تطول صغار الكسبة، وتحابي حيتان محتكري المواد. وكذلك السياسة المالية التي ضاعفت الرسوم والضرائب عشرات المرات، ومنها رسوم التعليم والصحة وغيرها، وكل هذا أدى إلى وصول التضخم إلى عشرة أضعاف وأكثر، والملاحظ أن سياسات الحكومات بدلاً من احتواء التضخم والتخفيف، منه كانت تكرّسه بقراراتها، ومنها قرارات رفع أسعار سلع ومواد وأجور من دون أي تغيير في المؤشرات، كما حصل بالأسمنت مرات كثيرة، وكذلك الأدوية والأسمدة في ظل الحاجة إلى عودة اقتصادية، وترافقت هذه الزيادة مع عرقلة معامل القطاع العام ومنع انطلاقتها ومعمل أسمدة حمص وكذلك تاميكو هما خير دليل.

عقلية تخسير القطاع العام وقتله كانت استمرارية لسلوكيات سبقت الأزمة بسنوات، فكم من معمل أوقف، وكان في كامل طاقاته الانتاجية، وكم مرة وضع ملف إصلاح القطاع العام في الأدراج رغم تكاليفه المنخفضة، والغاية أسوأ من الخصخصة، وهي بيع الأراضي أو احتكار استيراد المواد التي ينتجها هذا القطاع وبأسعار مضاعفة لأسعاره، وهنا لم يفهم المتابع ما المقصود من رفع الأسعار والرسوم، كما حصل بالضروريات وبأسعار الطاقة، فهل الهدف هو الترشيد؟ أم ترضية البعض على حساب المواطن؟ أم عدم قدرة على فرض الرؤى؟ أم جهل بالقراءة الحقيقية للواقع؟!!

إن كان الموضوع ترشيداً من خلال رفع الأسعار، فهناك طرق أخرى كتخصيص الحصص، وإن كان جهلاً فإن الإصلاح الإداري كفيل بتعيينات وفق توصيف وظيفي يوصل كفاءات فاعلة وقادرة ومفرمِلة للفساد، الذي زاد أضعافاً مضاعفة. وليعلم المنظرون أن استهلاك الـ 10 % من ممتلكي الثروات من الأموال السوداء وتجار الأزمات، يزداد كلما ارتفعت الأسعار، وبالتالي لا يتأثرون بقرارات رفع الأسعار التي جعلت 90 % من الشعب السوري تحت خط الفقر، خاصة أن عدد المهجّرين تجاوز الـ7 ملايين داخل البلاد، ومثلهم خارجها.

إن الوضع المزري لأغلب شعبنا نتيجة الظروف الصعبة، وما نجم عنه من تفشي الفوضى، وزيادة الفساد وتضخم البطالة، وأعداد الفقراء، يتطلب عملاً وطنياً دؤوباً ومستمراً، وفق مقتضيات الحاجة وانطلاقاً من واقع ليس بالسوء الذي يروّج له، لكن كل هذا بحاجة إلى إرادة صلبة ونوايا تغلّب مصالح البلاد وأغلب الشعب، على شخصنة بعض القرارات ومحاباتها للبعض، والضرب بيد من حديد لكل من يحاول اللعب بلقمة عيش الشعب، ويحاول تكديس الأموال عبر فساد علني وتجارة علنية، بدماء أبناء الوطن.

إن ما يمارسه هؤلاء يوازي أو أشد إرهاباً من حملة السلاح، ولكن وفق الظروف الحالية لا يمكن زياد الأجور في ظل عدم وجود إمكانية للتحكم بالأسعار، نظراً لسلبية أداء وزارة حماية المستهلك ومؤسسات التدخل ووسط إضعاف دور القطاع العام كقوة إنتاجية رافدة للسوق وفق رؤية غريبة عجيبة، ففي ظروف كهذه أدوات الحكومة هي التي تحقق سياساتها، وهي المنقذ لقلة المعروض من كثير من المنتجات، وكذلك لأن أغلب الشعب مهجرون ونصفهم عاطل عن العمل، وكذلك وفق عدم إمكانية فرض هذه الزيادة على القطاع الخاص، وإنما يجب أن تكون هناك منح متباعدة إضافة إلى زيادة المعونات، والعمل على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتشجيعها لاستثمار أغلب الإمكانات.

في ظل صعوبة تمويل المشاريع الصناعية الكبيرة، وصعوبة جذب الاستثمارات، وفي ظل عدم توفر الأمن بشكل عام، لابد من تغيير الخطط الزراعية بما يناسب الأزمة والحاجات، وفق أولويات الحاجات الماسة، ودعم القطاع الزراعي بفرعية الحيواني والنباتي مهم جداً، ويجب توفير المستلزمات عبر أقنية الحكومة وليس عبر محتكري القطاع الخاص، وكذلك تشجيع ثقافة استغلال المساحات الضيقة، والعمل مستقبلاً يجب أن يكون وفق سياسات مالية ونقدية تقوّض التضخم، وتعيد سعر الصرف لما يراعي ظروف البلد، ويعيد الثقة بالاقتصاد وبما يحقق العدالة، ولا يحابي بعض المكتنزين، الذين كانوا أداة اللعب بسعر الصرف. وكذلك لا بد من فرض القوانين بالقوة، وإعطاء الصلاحيات للمؤسسات لضرب الفساد بيد من حديد، حتى تعيد سيادة القانون وتلغي الفوضى المفتعلة. إن الاستثمار الكامل لكل طاقات البلد وإمكاناتها، كفيل بإعادة التوازن بين الوضع المعيشي والأجور، ولا بد من تعاون الجميع وتشاركهم: قطاع عام يجب العمل على عودته بتوفير كل الإمكانات له، وقطاع خاص وطني وفق أجندات تفرضها حاجة البلد وضرورات صموده وبقائه، وكل هذا لا يمكن أن يتحقق إلا عبر سياسة تعيينات تعتمد الكفاءة ووفق قوانين تعيد الكثير من الكفاءات والعقول التي هاجرت، أو الاستثمارات التي هربت أو نقلت إلى الخارج. دولة المؤسسات القوية بمواجهة قوى التأزيم والفوضى هي عنوان أساسي للعودة الصحيحة، لتحقيق تحسين مستوى معيشة المواطنين، وتقويتهم، لتحصين الوطن ودحض المخططات الخارجية.

تمت قراءته 262 مرات
د. سنان علي ديب

عضو جمعية العلوم الاقتصادية