العدد: 636
تاريخ: 23/ تموز/ 2014

التنكيت والتبكيت

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

يزداد دور الكتابة الساخرة في الأزمات السياسية والاجتماعية. والكتابة الساخرة سلاح الفقير على الغني، وسلاح الضعيف على القوي، والمظلوم على الظالم. فالتبكيت هو(الضرب بالعصا والسيف واليد ونحوها). وهو أيضاً(التقريع والتوبيخ) كما جاء في لسان العرب. وبكته:(قرّعه وعنّفه وقبّح فعله. ومنه تبكيت الضمير). و(التنكيت والتبكيت) عنوان كتاب للكاتب عبد الله النديم، صدر عام 1881 في 356 صفحة. وعنوان صحيفة أدبية تهذيبية، صدر العدد الأول منها في 16 حزيران عام 1881. تناولت النقد بطريقة ساخرة. وتضمَّنت مقالات تدافع عن الفصحى وتدعو إلى المحافظة عليها.

وأنتج محمد عفيفي مطر الذي رحل عام 1981 أدباً مائزاً، إلى الحد الذي جعله يأبى أن يكون خبر نعيه مؤلماً ومسبباً للحزن لمحبيه. فكتب نعيه قبل موته، وهو يسخر من الموت. ويرسم ابتسامة الوداع على وجوه أصدقائه والمتابعين لأدبه. وجاء في الخبر: (عزيزي القارئ، يؤسفني أن أخطرك بشيء قد يحزنك بعض الشيء، وذلك بأنني قد توفيت. وأنا طبعاً لا أكتب هذه الكلمة بعد الوفاة، وإنما أكتبها قبل ذلك. وأوصيت بأن تنشر بعد وفاتي، لاعتقادي بأن الموت شيء خاص لا يستدعي إزعاج الآخرين، بإرسال التلغرافات والتزاحم حول مسجد عمر مكرم، حيث تقام عادة ليالي العزاء. وإذا أحزنَتْك هذه الكلمات فلا مانع من أن تحزن بعض الشيء.. ولكن أرجو ألاَّ تحزن كثيراً..).

وفي دراسة للدكتور جابر قميحة (مصر)، بعنوان (النكتة أدب وفن وإبداع). يشير فيها إلى أن الضحك نوعان: ضحك تعبيري، وضحك تعويضي. الأول مصدره شعور الإنسان بالفرح والسعادة. أما النوع الثاني، فسببه تلاحق الشدائد والمصائب على الإنسان حتى يفقد إحساسه بها.

وعندما تعرّض الدكتور مصطفى الفقي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري، وآخرون لسرقة أحذيتهم بعد صلاة يوم الجمعة، نظم الدكتور جابر قصيدة على لسان صاحب الحذاء المفقود جاء فيها:

سرقوكَ يا أرقى حذاء

لأعيشَ بعدَكَ في شقاءْ

أبكيكَ يا أغلى الحبا

يبِ بالدموعِ بل بالدماءْ

وتكاد نفسي تفتدي

كَ فأنتَ أهلٌ للفداءْ

سأعيشُ في ذكراهُ منْ

 بابِ المحبةِ والوفاءْ

وأعيشُ أرثيني فإن

ني منهُ أولى بالرثاءْ

ونقرأ في التنكيت صفحات رصدها المهتمون بالأدب الساخر، باعتبار النكتة والفكاهة والسخرية تجسّد روح ما يجري في المنطقة، وتعكس رأي الشارع السياسي الجماهيري. وقد ازدحمتْ مثلاً محلات الكاسيتات في صنعاء باليمنيين، في الوقت الذي يتعرضون فيه لقمع السلطات. وتبين أن سبب هذا الازدحام ليس لتسجيل يوميات الثورة، بل على شراء كاسيتات مسرحية مصرية شهيرة. وأكد مراقبون أن المسرحية تحتوي على تعويذة الثورة اليمنية، حين يصرخ يونس الشلبي: أبويا أتحرق.. أبويا اتحرق..هييه.. عقبال أبوك يا عم! ولكن اليمنيين طوروها إلى رئيسنا اتحرق.. هييه... عقبال  ريّسكم  يا عم..!

وصدرت مجلات وصحف كثيرة في مصر وسورية. وتاريخ مصر وبلاد الشام يسجل صفحات من الأدب السياسي الساخر والأدب التهكّمي الجدّي، خاصة في العهود الاستعمارية (تنذكر وما تنعاد). ففي دمشق صدرت أهم المجلات الفكاهية والصحف الساخرة مثل:(حُط بالخرج) في 3 نيسان 1909 . وهي جريدة انتقادية هزلية لصاحبها محمد عارف الهبل.

ويقول أحمد بوبس، لقد صدرت صحيفة (جحا) الهزلية الجدية في 11 شباط عام 1911 . ومديرها محيي الدين شمدين. وصحف عدة منها (الحمارة) لنجيب جانا وتغير اسمها إلى (حمارة بلدنا) و(حمارة الجبل ) عام 1913 . ومن أهم المجلات الفكاهية (المضحك المبكي) التي استمر صدورها من عام 1929 حتى عام 1966 ، لصاحبها حبيب كحالة.

واستقطبت الصحافة الساخرة في مطلع القرن العشرين، أسماء لامعة ترددت على ألسنة الألوف من المواطنين في البلدان العربية. ومن هذه الأسماء (بيرم التونسي، وحسين شفيق المصري). ومن هذه المجلات (حمارة منتى) سنة 1900 ، و(خيال الظل) سنة 1907 . و(الكشكول) سنة 1921 التي اهتمت بالفكاهة السياسية.

ويرجع الفضل لتوثيق وإطلاق السخرية إلى (يعقوب صنّوع وعبد الله النديم). فأصدر صنوع أول صحيفة فكاهية سنة1876 ، عرفت باسم (أبو نظارة زرقاء). وقد كتب تحت العنوان (جريدة مسليات ومضحكات). وكانت توزع عشرة آلاف نسخة آنذاك، وهو عد كبير. وكان صنوع يستعين باللغة العامية والصورة الكاريكاتورية. وقد ركز فيها على الخديوي إسماعيل وسياساته واستغلاله للفلاح المصري. وأطلق عليه اسم (شيخ البلد) أو (شيخ الحارة). وفي إحدى الرسوم يظهر الخديوي وهو يبيع أهرامات الجيزة في سبيل قلادة وحُبّه للظهور.

الأدب الساخر في جميع أشكاله وتعدد أقسامه، يظل المتنفس الذي يساعد الإنسان على تخطّي الأزمات التي تعصف به، والترويح عن نفسه ومحاولة نسيان الهموم المتراكمة خاصة في ظل الأزمات كما هي عليه الآن المنطقة العربية..!

تمت قراءته 517 مرات